بدا جزء كبير من الاتهامات التي أطلقتها حركة «فتح»، في مراحل عديدة من الخلاف مع غريمتها «حماس»، غير مصدق، وخاصة ما يرتبط بمفاوضات مباشرة بين الأخيرة والاحتلال. ولم يستطع جمهور المقاومة عموما، و«حماس» خصوصا، أن يصدق مثل هذه الاتهامات التي لم تستند إلى دليل ملموس. منذ دخول الحركة المقاومة إلى السلطة الفلسطينية، عبر بوابة الانتخابات التشريعية عام 2006، بدأت أبجديات كثيرة لديها تتغير، وخاصة موقفها من اتفاقية «أوسلو» والشراكة في الحكم تحت الاحتلال، وصولا إلى الرضى بالتنسيق مع إسرائيل (المباشر وغير المباشر) عدا الجانب الأمني الذي يحارب المقاومة.


يمكن رصد هذه التغيرات بكل سهولة، وتحديدا مع تتبع الخطاب الداخلي أمام الجمهور الحركي، أو عبر سياسة التصريح، الذي يصدر عن قيادي في «حماس» ثم يخرج نقيضه في اليوم نفسه.
هذا ما حدث أمس، إذ سرّب مقطع فيديو (صوت وصورة) للقيادي في الحركة، موسى أبو مرزوق، وهو يتحدث من ناحية «شرعية وشعبية وحركية» عن جواز التفاوض المباشر مع الاحتلال «بكل صراحة». أبو مرزوق، الذي كان نائب رئيس المكتب السياسي، والآن صار عضوا فيه، لم يخف ارتباكه من سؤال مدير مكتب قناة القدس الفضائية في غزة، ويبدو أن هذا المقطع اجتزئ من مقابلة لا يُعلم هل بثت بعد أم لا، والدليل أنها خرجت من داخل الفضائية عن غير رضا لغياب أي «لوغو» للقناة عن المشهد. ذلك الارتباك ليس دليلا على أنّ إجابة الرجل كانت من دون إعداد مسبق، ولا هي دليل على مناورة إعلامية أو تغير طفيف في أداء «حماس»، فهو كرر «لوازم حديث» تؤكد ارتباكه حينما قال: «أصبحت تصبح... ماذا أقول».
قبل التدقيق في ما قاله أبو مرزوق، يمكن تناول أمرين: الأول هو سؤال هذا الموضوع «هل فاوضت حماس الاحتلال مباشرة؟»، والثاني عن شخص أبو مرزوق ونجمه الذي سطع أخيرا. في الشق الأول يمكن الاستناد إلى ما نشرته صحيفة «الرسالة» التابعة لحركة «حماس» عن موضوع بعنوان «كواليس مفاوضات وفاء الأحرار»، ونشرت منها حلقتين كبيرتين (تشرين الأول 2013)، قبل أن يأتي «الأمر من أعلى» لإدارة الصحيفة كي توقف نشر المعلومات المهمة التي كشفها القيادي في «حماس» غازي حمد، وخاصة أنه يشاع أن حمد غير مرضي عنه كثيرا داخل الحركة، وفي سبيل ذلك قُلصت مهماته كثيرا.
حاولت الحلقتان تأكيد أن خط التفاوض (أيلول 2006) افتتحه حمد «شخصيا» مع وفد إسرائيلي يضم من بين أعضائه ديفيد ميدان، الذي كلفه بنيامين نتنياهو متابعة مفاوضات الصفقة مع «حماس» بصورة غير مباشرة، ثم صار خطا مباشرا مع غيرشون باسكن، والأخير هو المدير المشارك للمركز الإسرائيلي الفلسطيني للبحوث والمعلومات، إضافة إلى الحديث الهاتفي الدائم مع والد الجندي الأسير جلعاد شاليط.
قبل نشر الحلقة الثالثة، جاء الأمر بوقف «هذه المهزلة»، كما وصفها بعض القادة، وأصدرت الصحيفة صندوقا نصيا تعتذر فيه عن إكمال الحلقات «لسبب خارج عن إرادتها»، وإن كان حمد قد حرص على إبداء أن ما كان يفعله لا يعبّر عن «حماس»، فإنه ذكر أنه كان يتواصل مع نائب القائد العام لكتائب «القسام»، أحمد الجعبري، ليضعه في تفاصيل التفاوض قبل نجاح الوسيط المصري وتخطي قناة حمد ـ غيرشون.
برغم ذلك كله، لا يمكن اعتبار ما نشر، وحتى وقفه لاحقا، دليلا على أن «حماس» فاوضت إسرائيل مباشرة، لكن الجدال حول إمكانية التفاوض ليس جديدا، وكان قادة كثيرون في الحركة يرون أن هناك فرقا بين من يفاوض من منطلق «القوة»، ومن يتحدث من تحت «التنسيق الأمني»، ويستدلون في ذلك على مآخذ شرعية وتجارب إسلامية سابقة.
أما أبو مرزوق، فهو كان قائد عملية التفاوض غير المباشر عن «حماس» في القاهرة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وبغض النظر عما أشيع عن خلافات حادة بينه وبين رئيس الوفد، عزام الأحمد (فتح)، فإن دوره كان كبيرا في رسم حدود الاتفاق، الذي لم يتضح منه شيء بعد. وأيضا شارك الرجل، الذي أكمل دراساته العليا في أميركا، في اجتماعات الدوحة، التي أقر فيها خالد مشعل برضى «حماس» عن «كتم العمل المسلح في الضفة»، و«الموافقة على دولة على حدود 1967».
الآن، إلى كلام القيادي الحمساوي، فهو بعد تأكيده وقطعه أن التفاوض «لا غبار على جوازه شرعا»، فإنه ارتكب «جريمتين» بحق النضال الفلسطيني: الأولى أنه ادعى أن التفاوض مطلب فلسطيني لكل الناس في قطاع غزة، والثاني أنه قارن بعقلية «القياس» الإسلامية بين ما سماه «التفاوض بالسلاح» و«التفاوض بالكلام»، ليخلص إلى أن الثاني مباح على ذمة الأول، وبذلك فهو يرى في المقاومة «مفاوضة بالسلاح».
حتى القاعدة الشعبية و«الفايسبوكية» التي انطلقت للدفاع عن موقف الرجل ورؤيته خطوة «دراماتيكية» كبيرة لسحب البساط من تحت قدمي عباس، لم تنتبه إلى أن أبو مرزوق تحدث بارتباك عن أن هذا «خيار اضطراري قد تصل إليه الحركة إذا بقي الحمل ثقيلا على الإخوة في السلطة والحكومة»!
ساعات وما لبثت فيها أن أخرجت «حماس» بيانا توضيحيا أكدت فيه أن «المفاوضات المباشرة مع العدو ليست من سياسة الحركة، وليست مطروحة في مداولاتها، وهذه هي السياسة المعتمدة». مع العلم بأن عضو المكتب السياسي، الذي عبر عن رفضه البقاء في هذه المراوحة السياسية الواقعة فيها حركته (بسبب علاقاتها المتوترة في المنطقة)، ذكر بوضوح أن القضايا التي كانت تمثل ورق «طابو» لدى «حماس» قابلة للنقاش والتغيير، و«الطابو» مصطلح يطلق فلسطينيا على الأوراق القانونية التي تخص ملكية الأرض مثلا!
أسوأ دفاع عن هذا التغيير كان المطالبة باتهام المنتقدين بأنهم لا يذكرون حركة «فتح»، التي تتبع نهج التفاوض منذ عشرين عاما، وذلك لتبرير الخطأ بخطيئة الطرف الآخر، والأكثر سوءا أن قادة «فتح» سارعوا إلى «المباركة» بهذا المنزلق الخطير الذي وقع فيه أبو مرزوق، ليطمئنوا إلى أن هجومهم على «حماس» خاصة، والمقاومة عامة، آتى ثماره بعد ادعائهم أن الأخيرة فاوضت الاحتلال سابقا.
في النهاية، بعيدا عن كون أبو مرزوق قد أخطأ «الخطأ غير الأول»، أو لم يستعدّ للمقابلة جيدا، وبغض النظر عن كون بيان «حماس» اللاحق تعبيرا عن الحقيقة التي تتبناها الحركة، ونتمنى أن تبقى ثابتة عليها، فإن العيش في «عاصمة للمقاومة» كالدوحة، والشراكة مع خط تفاوضي، والرغبة في البقاء في السلطة، كلها لن تقود الشعب الفلسطيني إلى أكثر من دولة على حدود 67 إن «تكرم» الإسرائيليون وأهدوها لنا، وكل ما دون ذلك من تبريرات شرعية وتاريخية وقياسية هوامش فارغة، والمفاوضة بالسلاح لن تكون أكثر من «حرب تحريك»، فيما حرب التحرير ودماء آلاف الشهداء أرقام تسجل في أرصدة سياسية!



مقطع الفيديو كما جرى عرضه عبر التواصل الاجتماعي وعرضته مواقع تابعة لـ "حماس" ثم حذفته