سارعت حركة «حماس» بعد أقل من 24 ساعة على تصريحات القيادي فيها، موسى أبو مرزوق، بعدما تحدث عن عدم حرمة التفاوض مع الاحتلال، إلى إصدار بيان نفي ينص على أن «المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني ليست من سياسات الحركة، وليست مطروحة في مداولاتها، وهذه هي السياسة المعتمدة في الحركة». والواقع أن البيان يردد جزءاً من العبارات عينها التي قالها أبو مرزوق في المقابلة التي أثارت زوبعة، ولا تزال.


في المقابل، سارع ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي إلى التقاط أوجه الشبه بين مقدمات اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل، وبين السلوك الإعلامي لـ«حماس». ورأى بعض الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين أن هذه مثل تلك، وأن تصريحات أبو مرزوق لا يمكن أن تكون غير منسقة على الأقل، مع رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، وهي أكبر من كونها مجرد بالون اختبار.
وفيما رأى جزء من المحللين أن تصريحات الرجل تدل على «نضوج» سياسي لدى الحركة التي تجد نفسها مضطرة إلى تقديم «برنامج سياسي» وعدم الاكتفاء برفع «شعارات المقاومة»، رأى بعضهم أن الخطأ يكمن في التوقيت، لأن تصريحاً من هذا النوع يشكل انعطافة كبيرة في مواقف «حماس»، ولا يمكن الشارع الفلسطيني أن يتقبلها بمثل هذه السرعة، وخاصة أن دماء أكثر من ألفي ومئة شهيد في غزة لم تجف بعد.


الاستقواء بالنصوص الشرعية لتدعيم موقف سياسي مغاير لما قبله


على عكس ما توقع كثيرون، رأى ناطق باسم حركة «فتح» أن تصريحات أبو مرزوق «خيانة»، لأنه قرأ فيها محاولة للتفاوض المنفرد مع إسرائيل خارج إطار المنظمة، الأمر الذي يخرّب على السلطة!
في الواقع، إن ما قاله أبو مرزوق يطرح أسئلة كثيرة:
أولاً: ما الذي يعلمه المكتب السياسي لـ«حماس» ودفعه إلى تكليف الأخ أبو مرزوق للإدلاء بهذا التصريح؟! هل يتعلق الأمر بالأجوبة التي ينتظرها عزام الأحمد، وكان قد أشار إليها قبل يومين في حديث متلفز وهجومي؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل نحن أمام إرهاصات وفد فلسطيني مشترك للمفاوضات بين السلطة وإسرائيل يضم ممثلين رسميين عن حركة حماس؟ خروج التصريح إلى العلن لا يشي بأن «حماس» ستقبل أن لا تكون «شريكاً» كاملاً في المفاوضات، ولا سيما أن مطالب خالد مشعل لمحمود عباس بأن يكون شريكاً كاملاً، كانت واضحة، وهي وردت في المحضر الثاني المسرب لاجتماعات قطر، وكانت قد نشرته «الأخبار».
ثانياً: ماذا عن التوقيت؟ إضافة إلى ما قيل عن الدماء التي لم تجف، فإن تصريحات أبو مرزوق تأتي قبل أيام من انتهاء الشهر المحدد لاستئناف المفاوضات غير المباشرة في القاهرة، وتوقع أبو مرزوق نفسه أن تنطلق نهاية الأسبوع المقبل. ألا يعطي هذا التصريح الانطباع لدى إسرائيل بأنه يمكنه الحصول على تنازلات أكبر بكثير من تلك التي تتوقعها؟ هل كان التوقيت موفقاً؟
ثالثاً: ماذا عن المبدأ بحد ذاته؟ هل من الصحيح ما قاله أبو مرزوق عن أن «المفاوضات بالسلاح هي مثل المفاوضات بالكلمات»، ولماذا أراد «السيد» أن يحوّل مبدأ التفاوض من قضية سياسية إلى قضية فقهية وشرعية حينما استخدم مصطلحات فقهية مثل «الحرام» و«الحلال»؟ يمكن فهم ذلك بناءً على الطبيعة الثقافية للقاعدة الشعبية لحركة «حماس»، لكن تحويل المسألة إلى الوجهة الدينية يعني من جهة، الاستقواء بالنصوص الشرعية لتدعيم موقف سياسي مغاير تماماً لمواقف سابقة للحركة نفسها، وهو الأمر الذي سيفتح عليها الهجوم من باب توظيف النص لا الانقياد له. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن اللغة الدينية تشكل حرباً استباقية في وجه المعارضين المحتملين، فيصبح رفضهم في هذه الحالة «تحريم ما أحل الله»، وما دامت المفاوضات مع الاحتلال حلالاً، كما قال الرجل، فإن النتيجة الطبيعية ستكون أن كل من يحرّمها هو في موقع تحريم ما أحل الله.
رابعاً: أخطر ما قاله أبو مرزوق هو حديثه عن الضغط اليومي لسكان غزة، الذي يسير نحو شبه إجماع بمطالبة شعبية بالتفاوض مع الاحتلال لتحصيل حقوق أهالي غزة، الأمر الذي يجبر الحركة على أن تستجيب تحت الضغط الشعبي. لم يقدم الرجل أي أدلة أو إحصاءات تدعم مقولته، فلا أحد يظن أن أهالي غزة تحملوا ضراوة الحرب الأخيرة من أجل التفاوض مع الاحتلال، ولو كانت هذه حقيقة موقفهم لاعترضوا على الحرب من أول يوم وتبنوا سياسات السلطة التي تفاوض إسرائيل منذ زمن، فليس من المعقول أن يدفع أهلنا في القطاع كل هذا الثمن الباهظ لاستبدال مفاوض بآخر.
حتى لو افترضنا جدلاً أن ما قاله أبو مرزوق صحيح، فإنه يمكن «حماس» ببساطة أن تحيل سكان غزة إلى السلطة في رام الله، وتنفض يدها. أما القول إن سكان القطاع، الذين تحملوا الحصار ثماني سنوات ودفعوا تكلفة غالية للحرب، يريدون التفاوض مع إسرائيل لإعادة الإعمار، ففيه ظلم كبير لسكان غزة وتضحايتهم، ولا نريد أن نزيد!
أغلب الظن أن حركة «حماس» تواجه ضغوطاً عربية وإقليمية، ومن السلطة أيضاً، وذلك كي تقدم تنازلات جوهرية ثمناً لإعادة إعمار غزة. هذا أمر مفهوم وواضح ومنطقي. فهناك من يريد تشويه صورة الانتصار في غزة. لكن الرد على هذه الضغوط لا يكون بالاستجابة لها. ولم يفت موسى أبو مرزوق أن يقول إن المفاوضات المباشرة ليست من السياسات المعتمدة حالياً لدى «حماس»، معيداً تنبيه الآخرين إلى أنها ليست حراماً!