حيفا | خلال الحرب الأخيرة على غزة، لم يكن فلسطينيّو الأراضي المحتلة عام 1948 بعيدين عن دائرة النار، خاصة أن الحرب بدأت فيما كانت الضفة والقدس وأراضي الداخل تخوض مواجهات كبيرة ضد الاحتلال. بدأ التضامن باستمرار تلك المواجهات، لكن سقوط صواريخ المقاومة في المدن المحتلة حدّ من إمكانية التظاهر، فجرى العمل مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحتى لافتات المحال.


في مقابل ذلك، تداعت جهات إسرائيلية رسمية وشعبية إلى المطالبة بمحاسبة من يعبّر عن تعاطفه مع غزة من فلسطينيي الـ48، وذلك باتخاذ خطوات عقابية أولاها فصله من العمل عبر الضغط على المشغل الإسرائيلي، ثم مقاطعة المحال وأصحاب المصالح من العرب.
وحتى تنقل الصورة بموضوعية، فإن هذه الخطوات جرت في إطار مؤسسات القطاع الخاص، لأن المؤسسات الرسمية تفرض من الأساس ضوابط صارمة على موظفيها في ما يخص حرية التعبير داخل مكان العمل أو حتى في الحيز العام.


اقتصرت الردود الرسمية على دعوة ليبرمان إلى مقاطعة العرب

وتوضح المحامية في جمعية عنوان العامل من الناصرة، مها شحادة، أن أكثر من خمسة وعشرين صفحة على «فايسبوك» عمّمت منشورات تتعاطف مع غزة، «ويملكها عمال وموظفون عرب جرى الضغط على مشغليهم لفصلهم»، موضحة أنها تعاملت مع عشرات القضايا المشابهة.
وتؤكد شحادة، لـ«الأخبار»، أن فصل الموظفين لم يكن قانونياً وجرى بطريقة تعسفية ومن دون جلسة استماع، مضيفة: «حظر التعبير يستخدم ضمن القانون الجنائي، لكن تنفيذ القانون ليس من صلاحية المشغل، لذلك نحن أمام فصل سياسي يعارض قانون تكافؤ الفرص وحرية التعبير، علماً بأن الموظفين عبّروا عن آرائهم خارج مكان العمل».
من هؤلاء موظفة في شركة للاتصالات تدعى لينا عالم، وتعرضت للفصل من عملها على الخلفية نفسها. تحكي عالم لـ«الأخبار» أنها عملت في تلك الشركة منذ خمس سنوات، «ومع بداية الغزو البري للقطاع وتوارد الأنباء عن ارتفاع قتلى الجنود الإسرائيليين، تحدثت عن رأيي عبر صفحتي الخاصة على فايسبوك، فقامت الدنيا ولم تقعد».
تتابع عالم: «زملائي في الشركة التي أعمل فيها حاولوا التهجم عليّ في مكان العمل، فيما قدم آخرون ما كتبتُه إلى إدارة الشركة، لذلك استدعاني رئيس العمل وطلب مني أن أحذف اسم الشركة من خانة (مكان العمل) على صفحتي، ثم وصلتني رسائل تهديد بالقتل بعدما نشر رقم هاتفي على قوائم مجموعات عنصرية، وفي النهاية قررت إدارة الشركة فصلي من العمل (حفاظاً على سلامتي) كما قالوا!».
ولم يقتصر التهديد على الموظفين، بل طال التحريض طلبة جامعيين وناشطين سياسيين وأيضاً الصحافيين. ويجد العمال المفصولون أنفسهم في موقف حرج، فالموضوع ليس سجالاً قانونياً خالصاً قد ينتهي في المحكمة، خاصة أن هناك تهديداً بالاعتداء الجسدي، الأمر الذي جعل بيئة العمل نفسها، في حال العودة إليها، بيئة مهدِّدة.
رغم ذلك، تشير المحامية شحادة إلى أن عدداً من الحالات «في طور المعالجة القضائية»، وأن هناك آليات قانونية يمكن بها مواجهة هذا الفصل عبر القضاء، «كالمطالبة بإلغاء الإقالة أو إلزام المشغل بدفع تعويضات للموظف الذي جرى فصله». وتلفت إلى أن الأضرار على الموظف الفلسطيني المفصول تتعدى الوضع المادي أو الوظيفي، «فمعظم من توجهوا إلينا طالبوا بالتعويض لأنهم خسروا عملهم وصاروا يشعرون بالخوف».
وكان وزير خارجية الاحتلال أفيغدور ليبرمان قد طالب بمعاقبة أصحاب المحال التجارية من العرب الذين عبّروا عن تضامنهم مع غزة والتزموا بقرار لجنة المتابعة العليا بالإضراب التضامني ليوم واحد. دعوة ليبرمان التي أطلقها عبر صفحته الشخصية على «فايسبوك» سرعان ما لاقت استجابة منقطعة النظير من المجتمع العبري، فانتشرت دعوات مماثلة أطلقتها عدة جهات يهودية طالبت بمقاطعة المحال التجارية للعرب.
وإن التزمت الغالبية بذلك، فإن تجاراً عرباً رأوا أن المقاطعة الاقتصادية للبضائع الإسرائيلية في الداخل «ستكون بلا جدوى، خاصة أن الاقتصاد العربي في فلسطين المحتلة غير مستقل عن الإسرائيلي، وهذه المقاطعة ستضرب الاقتصاد المحلي للعرب لأنها ستشجع مقاطعة يهودية مماثلة».
وهذا ما حدث في بعض المدن، إذ يقول أحد التجار العرب، ويملك متجراً في السوق القديمة في عكا، إن مقاطعة اليهود المحال العربية ضربت الموسم التجاري وسبّبت خسائر غير مسبوقة، خاصة مع توقف السياحة من قبل، في حين رأى تجار آخرون أن المقاطعة أدت إلى كسب المزيد من الزبائن العرب الذين كانوا يتوجهون سابقاً نحو متاجر إسرائيلية.
ومع انتهاء الحرب ستعود الأمور بالتدريج إلى حالها الطبيعية، لكن يسجل أنه خلال العدوان غابت هذه القضية (الفصل الوظيفي والمقاطعة) عن أجندات السياسيين (أعضاء الكنيست ولجنة المتابعة) لتنحصر مقاربة الموضوع من التحرك القوي والعام إلى الرد على دعوة ليبرمان.
ونقلت مصادر عبرية أمس أن الرئيس الإسرائيلي، رؤوبين ريفلين، وجه انتقاداً حاداً حيال رغبة بعض أعضاء الكنيست من أحزاب «البيت اليهودي» و»الليكود» و»إسرائيل بيتنا» التقدم بمشروع قرار أمام الكنيست «لإلغاء مكانة اللغة العربية كلغة رسمية في إسرائيل». وأضاف: علينا الاعتراف بحقيقة أننا لا ندير معركة أمنية فقط بل معركة اجتماعية».