الحسكة | هو معبر سيمالكا الحدودي «غير الرسمي»، الذي شقته أقدام السوريين الفارين نحو العراق مطلع عام 2013، بعدما اختار عدد من الأسر السورية الرحيل إلى شمال العراق سالكين طرقاً برية وعرة فيها من المخاطرة الكثير، بحثاً عن حياة أفضل في ظل اقتراب خطر «جبهة النصرة» آنذاك من مناطقهم، وتراجع الخدمات على نحو كبير، لينعكس المشهد اليوم، فيصبح الشمال السوري محطةّ للعراقيين الهاربين من بطش «داعش».

تمرّ يومياً عشرات السيارات والشاحنات الممتلئة بالعراقيين نحو معبر سيمالكا، ومنه إلى دهوك شمال العراق، فيما يسير «أوسو» الفار من مجمع القحطانية في الموصل على قدميه بثياب ملوثة بالطين تحكي معاناة الطريق.

يروي الرجل لـ«الأخبار» مسيرة الفرار من الموت المحتوم: «هاجمونا في الليل. أعطونا مهلة للصباح: إما أن نشهر إسلامنا أو نُقتل. حملنا ما نستطيع حمله وتوجهنا إلى جبل سنجار، بقينا هناك سبعة أيام. مات أكثر من 50 عطشاً وجوعاً». ويضيف: «أضعت أسرتي فقررت المضي باتجاه سوريا سيراً على الأقدام بمسير يومين، وعلمت أن عائلتي باتت في دهوك. أتمنى أن ألقاها هناك».
في إحدى السيارات الآتية من ناحية سنون في اتجاه شمال العراق عبر سوريا، الجميع يبكي مرارة الهجرة وقسوتها. يصرخ من سيارة عجوز ثمانيني: «قتلونا، شردونا، هجرونا للمرة 73 في تاريخنا. لكن الديانة الإيزيدية ستبقى. نموت ونرفض أن نتخلى عن ديانتنا». يقاطعه ابنه عادل بالقول: «600 من نسائنا أخذهن داعش إلى تل عفر، ولا نعرف مصيرهن. قالوا لنا إنهن سيبيعونهن. أين الإنسانية من ذلك؟ نحن أقلية لا حول ولا قوة لنا».
تدمع عينا كلي باجو، التي حجزت لها مكاناً في إحدى القاطرات البشرية، وهي الآتية من مجمع تل قصب. تذكرت 34 من عائلتها وجيرانها ممن قتلوا بدم بارد على أيدي مسلحي «داعش»، من بينهم ثلاثة من أولادها. «خسرت كل شيء. لم يعد لي في الدنيا إلا زوجي وبناتي الموجودين في شمال العراق»، تقول.
خلال ساعتين في المعبر، مرّت أكثر من مئتي سيارة في مشهد تهجير جماعي أقرب ما يكون إلى «تغريبة إيزيدية» جديدة، هي الرقم 73 في تاريخ الهجرات الجماعية القسرية لأبناء الطائفة الإيزيدية.
التعب بادٍ على الوجوه. كل ما يعرفونه أنهم ماضون نحو شمال العراق حيث المخيمات. الناطق الإعلامي باسم المعبر من الجهة السورية، ريناس محمد، أكد لـ«الأخبار» أنّ «المعبر كان يشهد هجرة كبيرة للسوريين باتجاه كردستان، ولكن في الأسبوعين الأخيرين تغيّرت الصورة بعد هجمات داعش الأخيرة في الموصل»، مؤكداً أنّ «أكثر من مئة ألف عراقي دخلوا المعبر في طريقهم إلى العراق، فيما عاد أكثر من عشرين ألف سوري إلى بلادهم خلال الشهرين الماضيين». وأعاد محمد السبب إلى «تنامي خطر داعش في شمال العراق، والاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، مما ولّد شعوراً بالأمان دفع الناس إلى اختيار طريق العودة».
وتخفيفاً للمعاناة، تولت حكومة «كردستان العراق» مد جسر حديدي على ضفاف نهر دجلة، الذي يربط البلدين، وفتحه أمام الأسر التي قصدت المخيمات هناك، كما سمحت بين فترة وأخرى بمرور البضائع والأدوية الى محافظة الحسكة المحاصرة برياً من قبل المجموعات المسلحة المنتشرة على طريق دير الزور والرقة.