تواصل المقاومة الفلسطينية منذ انهيار التهدئة أمس الرد على الاختراق الإسرائيلي بقصف المدن المحتلة بعشرات الصواريخ، وأعلنت استهدافها تل أبيب أكثر من مرة، فضلاً عن مدن غلاف غزة وعسقلان وأسدود وبئر السبع، وقالت أيضاً إنها استهدفت لأول مرة محطة إسرائيلية لاستخراج الغاز قبالة ساحل غزة.


لكن مصادر العدو لم تعرج على هذا الاستهداف، معترفة برصد 180 صاروخاً خرجت من غزة، وهو المعدل اليومي الذي كانت المقاومة تعتمده قبل التهدئة الأخيرة. في المقابل، تواصلت المجازر الإسرائيلية، وإن كانت بوتيرة أقل عمّا كان قبل أسبوعين، لكنها عاودت استهداف منازل المواطنين المأهولة، ما رفع حصيلة الضحايا إلى 2049 شهيداً و 10224 جريحاً حتى ما قبل منتصف الليل.
وبعدما أعلنت كتائب القسام (حماس) سلامة القائد العام لها، محمد الضيف، من الاغتيال، رسمت خطوط المعادلة التي ستعمل عليها خلال المرحلة المقبلة. وهذه الخطوط كما شرحها المتحدث باسم الكتائب، أبو عبيدة، هي تحذير شركات الطيران العالمية من الوصول إلى مطار بن غوريون في تل أبيب ابتداءً من السادسة من صباح اليوم، كذلك حذر الإسرائيلي من أي تجمعات كبيرة في المديات التي تصلها صواريخ المقاومة، وخاصة الحشود في الملاعب في دوري كرة القدم وغيرها من الأماكن المفتوحة، وهو ما يشبه حظراً للتجوال أو حصاراً صاروخياً تفرضه المقاومة على غالبية المدن الإسرائيلية.


رفض نتنياهو
إجابة الصحافيين عن سؤال بخصوص كون الاغتيال للضيف


كذلك أعلن أبو عبيدة أنه «يُمنع على سكان ما يسمى غلاف غزة والمدن القريبة من العودة إلى بيوتهم، وعلى من يظلّ منهم للضرورة البقاء داخل الملاجئ والمناطق المحصّنة»، وذلك على أن يظلّ كل ما سبق «ساري المفعول حتى إشعار رسمي آخر من القائد العام للكتائب».
وطرحت محاولة اغتيال الضيف مجموعة من التساؤلات تبقى الإجابات القاطعة عنها حصراً لدى «القسام»، لكن ظروف الحدث تدفع إلى الخلاصة الآتية: إن لم يكن ضيف في المنزل خلال عملية الاستهداف، فإن هذا يعني أن القيادة السياسية الإسرائيلية اتخذت قراراً بالجريمة من دون الاستناد إلى معلومات «دقيقة» تتعلق بشخص الضيف، وفي النتيجة ما حدث لم يكن نتيجة خطأ استخباري، بل بفعل قرار يهدف إلى استهداف عائلة القائد الموجودة في منزل المستهدف.
بناءً على ذلك، انطلق قرار ارتكاب هذه الجريمة من المعادلة التالية: إن كان ضيف موجوداً في المنزل، ولو أن هذا الاحتمال ضئيل جداً، فإن إسرائيل تكون قد سجلت إنجازاً عملانياً ومعنوياً يمكن توظيفه في الداخل، ووجهت به رسالة مؤلمة إلى المقاومة والكتائب. أما إن لم يكن موجوداً، وهو المرجح، فإن نتنياهو يكون قد انتقم من قائد «القسام» عبر استهداف عائلته.
بين طرفي المعادلة، تبقى هناك مساحة لاحتمال نظري بأن الضيف كان ضمن دائرة الاستهداف لكنه نجا. في كل الأحوال، وأياً كانت السيناريوات، فقد وجهت إسرائيل رسالة إلى المقاومة عامة، و«القسام» خاصة، مفادها أنها لن تتكيف مع خيار حرب الاستنزاف الذي تلوح به المقاومة كبديل من إخفاق المفاوضات، كذلك تؤكد أنها مستعدة لمواصلة المواجهة إن كان البديل تلبية مطالب الشعب الفلسطيني التي حملتها الفصائل إلى القاهرة.
في المقابل، يمكن القول إن المقاومة أوصلت رسالتها وفيها أن البديل من إخفاق المفاوضات خوض حرب استنزاف طويلة المدى، مع علمها بحجم التضحيات التي تنطوي عليها في مقابل عدو كإسرائيل. لكن سيستمر الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي في إسرائيل عامة، وجنوبها خاصة على ما هو عليه، وبذلك تؤكد المقاومة لصانع القرار في تل أبيب أن الرهان على تراجعها والاكتفاء بمعادلة «هدوء مقابل هدوء» تجنباً لخيارات مؤلمة ليس سوى أوهام وأماني.
وأياً كانت الشعارات والمواقف السياسية التي تصدر عن أي من الطرفين، فإن مواصلة المواجهة هو من قبيل ممارسة الضغط الميداني على أمل أن يصرف ذلك على طاولة المفاوضات. لكن يبقى السؤال عن البديل في حال تمسك الطرفين بسقوفهما السياسية. من البدائل مواصلة المواجهة وفق إيقاعها الحالي، بوتيرة ترتفع حيناً وتتراجع حيناً آخر، إلى حين انكسار أحد الطرفين، وهو خيار مستبعد ابتداءً في حساباتهما.
أيضاً، الواقع الذي آلت إليه التطورات السياسية والميدانية يرى فيها أقطاب أساسية من معسكر اليمين فرصة لإعادة تزخيم الدعوة إلى خيار الحسم العسكري. استناداً إلى تقدير ورؤية بأن الخسائر السياسية تنطوي على أثمان قد تكون في دلالاتها ونتائجها بعيدة المدى، وأهم من الخسائر البشرية التي سيتعرض لها الجيش خلال هجومه البري المفترض. لكن هذا الخيار مستبعد لدى القوى الأساسية ذات التأثير الأكبر في صناعة القرار السياسي والأمني. مع ذلك، يبقى التلويح بهذا الخيار ذا دور في ممارسة الضغط النفسي على الواقع الفلسطيني. وفي هذا السياق، ذكرت مصادر أمنية، أنه لم يعد هناك وجود للمفاوضات في مصر الآن، وأن مبادرة القاهرة لم تعد ذات صلة، وإسرائيل مستعدة للتصعيد وإمكانية التوغل البري مطروحة للبحث.
ورفض رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، الإجابة أمس عن أسئلة الإعلاميين بشأن محاولة اغتيال الضيف، لكنه أكد في المقابل أن «المنظمات الإرهابية وقادتها هدف مشروع، ولا أحد في مأمن، وسيبقون مستهدفين». وأكد أن عملية «الجرف الصامد» لم تنته، وأن إسرائيل سترد بحزم وتهاجم قطاع غزة في حال استمرار إطلاق الصواريخ باتجاهها، مضيفاً أن تل أبيب مصممة على مواصلة المعركة ضد «حماس» بكل الوسائل المتوافرة لديها، و«سترد الصاع صاعين» على كل «اعتداء» صاروخي.
وفيما بدا أنه رد على تقارير إعلامية عبرية أشارت إلى أن الفصائل الفلسطينية لم تتكبد الخسائر التي تعلن عنها تل أبيب، لفت نتنياهو إلى أن «حماس» تكبدت خسائر فادحة في الأسابيع الأخيرة، بعد أن «قتلنا المئات من المخربين وقضينا على الأنفاق الهجومية ودمرنا العديد من مخازنهم وقاذفاتهم الصاروخية». وقال إن «حماس تلقت أقسى ضربة منذ تأسيسها»، مشيراً إلى أن «قطر وتركيا وإيران يدعمون حماس، بينما العالم العربي ضدها».
من جهته، أكد وزير الجيش موشيه يعلون، في المؤتمر نفسه أن «حماس» ستخطئ مرة جديدة إن ظنت أنها تجرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف، «لأننا مستعدون لمعركة طويلة الأمد، وكل الخيارات واردة ومن بينها المعركة البرية». وذكر يعلون أن «حماس تخفي عدد الخسائر الكبيرة التي قد تكبدتها على يد الجيش، إذ إن حجم الأضرار التي لحقت بمنشآتها كبيرة».
في مدار آخر، تسلط الأسباب الفعلية التي أدت إلى إخفاق مفاوضات القاهرة الضوء على دور التجاذبات الداخلية الإسرائيلية في بلورة قرارات سياسية وأمنية وفق اعتبارات حزبية داخلية، وهو ما برز في حادثة إخفاء نتنياهو الورقة المصرية عن أعضاء المجلس الوزاري المصغر، ما أثار جدلاً حاداً بين وزرائه، كذلك يظهر في التقارير الإعلامية أن نتنياهو «تخوف من إخفاقه في تمرير الاتفاق المتبلور على المجلس الوزاري، لذلك أمر بتصلّب الموقف الإسرائيلي في المفاوضات»، وهكذا يكون الصراع داخل المجلس الوزاري هو الذي دفع نحو إحباط المفاوضات.



«وول ستريت جورنال»: «حماس» تقدمت على مختلف الجبهات

استنتج تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أمس، أن العدوان الإسرائيلي ضد غزة أخرج مجموعات حركة «حماس» العسكرية إلى العلن للمرة الثانية بعد حرب عام 2009، الأمر الذي أعطى قوات الاحتلال مجالاً للوقوف على إمكانات مجموعات «القسام» خلال المواجهات البرية المباشرة التي وقعت.
وينقل التقرير عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله، إن «حماس تقدمت على مختلف الجبهات»، مضيفاً أن «هذه المرة حينما واجهناهم في الميدان، وجدنا أنهم أصبحوا أكثر تدريباً، وأكثر تنظيماً وانضباطاً».
التقرير رأى أن «حماس» فاجأت الجنود الإسرائيليين باستخدام أنفاق وصل امتدادها إلى ما بعد حدود القطاع المحاصر، أي حتى داخل الأراضي المحتلة، ملقياً الضوء في الوقت نفسه على الكمائن التي نجحت فرق الكوماندوس التابعة لـ«حماس» في زرعها داخل القطاع وخارجه. وفي حديث جديد نسبياً تعتمده وسائل إعلام غربية، أشار تقرير «وول ستريت جورنال» إلى الصعوبات التي واجهتها قوات الاحتلال في تعقب الاتصالات الداخلية في غزة، بفعل شبكة الاتصالات الخاصة (الداخلية) التي قيل إن «حماس» أنشأتها واستخدمتها خلال المعارك الحالية.
(الأخبار)