القاهرة | على رغم مرور عام على فض «رابعة العدوية»، ورغم كل لجان تقصي الحقائق التي شكلت، تبقى الحقيقة الواضحة أن أحداً لم يُدن بقتل أكثر من ألف مواطن مصري. ورغم مئات الأوراق التي كتبت، واللجان التي تشكلت والزيارات، تبقى الحقيقة راسخة على الأرض في منظر الجثث المحترقة، وصرخات الأرامل والأيتام، وأقارب الضحايا، في الأحداث التي سببت شرخاً مجتمعياً، لم يندمل حتى الآن. فلا الدولة راغبة في رد حقوق الضحايا، ولا ذووهم قادرون على كتمان جراحهم، برغم اللجان التي تعلن عن تشكيلها للتحقيق في الفضّ.


عقب فضّ «رابعة» و«النهضة» الدموي، شكّل رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور لجنة تقصي حقائق تابعة لرئاسة الجمهورية مباشرة، برئاسة الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض، القاضي الدولي السابق وأستاذ القانون، على أن ترفع التقرير إلى عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية الحالي، وله حرية الإعلان عنه من عدمه.
وكانت اللجنة، التي تجتمع بشكل شبه يومي، حريصة على ألا تفصح عن أي نتائج توصلت إليها عقب أي اجتماع، وترفض الإدلاء بأي تصريحات. رئيس اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق في أحداث ما بعد «30 يونيو»، خرج أمس في أول تصريح صحافي ليتحدث عما توصلت إليه اللجنة. وكشف رياض أن اللجنة لا تزال تواجه عقبات في عملها؛ منها عدم قدرتها على جذب عدد كاف من شهادات «الإخوان»، مشيراً إلى أن «الإخوان»، بعدما تعاونوا مع اللجنة سابقاً، ابتعدوا مرة ثانية، خشية القبض عليهم.
وأضاف رياض، في تصريحات للمحررين البرلمانيين، أمس، إن تباعد «الإخوان» دفع اللجنة إلى أن تقرر عدم الكشف نهائياً عن شخصيات الشهود إذا أرادوا ذلك، لافتاً إلى أن زوجة القيادي الإخواني محمد البلتاجي طلبت عدم إخفاء اسمها.
وأشار إلى أن عدداً كبيراً من «الإخوان» ذهبوا إلى منظمة «هيومن رايتس ووتش» وأدلوا بشهاداتهم، في وقت لم يحتو فيه تقرير المنظمة على أي شهادة للطرف الآخر، في إشارة إلى الحكومة والمؤسسات الرسمية، موضحاً أن ذلك أخلّ بالتوازن في تقرير المنظمة، وأن اللجنة تسعى لتحقيق هذا التوازن.
وتعقيباً على الانتقادات التي وجّهتها «هيومن رايتس ووتش» للجنة، قال رياض إن ما تتحدث عنه المنظمة عن غياب الشفافية في عمل اللجنة غير صحيح، لأن طبيعة لجان تقصي الحقائق هي عدم فضح الشهود أو الشهادات، ولذلك تعمل في سرية تامة.
من جهته، أوضح المتحدث باسم اللجنة، المستشار عمر مروان، أن اللجنة قررت أن يكون الأربعاء المقبل الموعد النهائي لتلقي الشهادات والمعلومات المطلوبة من ممثلي مؤسسات الدولة حول الوقائع، موضحاً أن اللجنة ستستمر في فتح باب الاستماع للشهادات الأخرى ولن تغلقه. فيما أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان تقريراً بعد زيارة استمرت عشرة أيام لمقر الاعتصام، والاستماع لعدد من الشهود على فضه، حمّل فيه جميع الاتهامات للمعتصمين من تعذيب داخل الخيام للمواطنين واستغلال الأطفال في السياسة، كما أكدوا أنهم رصدوا حمل مدنيين للسلاح.
من جانبها، تجاهلت الدولة فتح تحقيق قضائي مستقل تجاه كل من يثبت تورطه، فيما عدا تلك اللجنة السرية، التي ماطلت في إصدار نتائجها، حتى استطاعت الماكينة الإعلامية للدولة أن تبيح دماء المعتصمين هناك، فلم يعد أحد يطالب بالحقوق. كذلك نص التقرير على ضرورة تعويض الحكومة لكل الضحايا والمصابين الذين سقطوا نتيجة الاشتباكات المسلحة، وهو ما لم يحدث، كما صارت الحكومة في مسار متناقض مع ما طالب به التقرير في توصيته الأخيرة من ضرورة تدخل الحكومة بشكل عاجل وفوري لوقف حملات الكراهية والتكفير والتحريض على العنف التي تروّج لها وسائل الإعلام المحلية.