بغداد | لا يمكن عزْل الحوار السعودي - الإيراني المستأنَف في بغداد بوساطة رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، عن التطورات على الساحة العراقية، ليس فقط بوصفه أحد الملفّات الرئيسة بين طهران والرياض، وإنّما أيضاً لأنه يأتي في سياق غير معزول عمّا يجري في ملفّات أخرى موضوعة على الطاولة نفسها، وسُجلت في سياقها الهدنة اليمنية، وعودة السفير السعودي، وليد البخاري، إلى بيروت. الكاظمي الذي فشل رهانه على التحالف الثلاثي في البقاء لولاية ثانية، يطمح إلى أن يكون هو المخرج من الانسداد الراهن، من خلال إظهار قدرته، مرّة أخرى، على تشكيل نقطة تقاطع تفرضه مرشحاً لا بديل عنه أمام القوى السياسية العراقية. فكما هو معروف حين استقال عادل عبد المهدي بعد تظاهرات تشرين الأوّل 2019، برز عدنان الزرفي ثم توفيق علاوي كمرشَّحَين لخلافته، لكنّهما فشلا في تشكيل الحكومة في المهلة المحدّدة، فتمّ تكليف الكاظمي نتيجةَ تسويةٍ، على رغم أن بعض أطراف «تحالف البناء» في تلك الفترة، و«الإطار التنسيقي» حالياً، لم تكن موافقة عليه. وعلى رغم هذا «الفيتو» في حينه، ربّما يكون الرجل، مرّة جديدة، بديلاً ومرشّح تسوية، لأن عكس ذلك يعني استمرار حالة الانسداد والفوضى والمجهول.

ويعتقد مراقبون أن عدداً كبيراً من القوى السياسية يعوّل على أن تنعكس حالة الهدوء الإقليمي في الملفّات الأخرى على الداخل العراقي، وأن تترك أجواء الهدوء بين إيران والولايات المتحدة، آثارها على العراق، بالنظر إلى الدور الكبير لطهران وواشنطن في هذا البلد. ويتزامن ما تقدَّم مع إعلان كلا البلدَين عن تعيين سفيرَين جديدين لهما، في ما اعتبر مؤشّراً إلى مرحلة جديدة في السياسة الإيرانية والأميركية في العراق. ويُنظر إلى تعيين حسين آل صادق سفيراً جديداً لإيران لدى العراق، خلفاً لإيرج مسجدي الذي انتهت مهامّه، على أنه فاتحة سياسية أكثر مأسسة في العلاقة بين البلدين، على رغم أن الإطار العام للسياسة الإيرانية لم يتغيّر، بحيث تعتبر طهران أنها هي المستهدَفة من قوى إقليمية ودولية في «بلاد الرافدين». والسفير الجديد من مواليد النجف، ويتحدّث العربية بطلاقة، ما يساعده في التواصل مع القوى السياسية العراقية.

تستعيد الساحة السُّنّية في العراق تدريجياً تمثيلها «الحقيقي» الذي غاب خلال فترة الحرب على «داعش»


عى الجانب الأميركي، تبدي واشنطن رغبة في تخفيف التوتر مع إيران على الساحة العراقية، تجنباً للمزيد من العوامل السلبية التي قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط المرتفعة أصلاً بسبب الحرب في أوكرانيا والتوتّر في علاقتها مع السعودية والإمارات. لهذا، طالبت وزارة الخارجية الأميركية القوى السياسية العراقية، بالعمل بسرعة لإنهاء حالة الانسداد السياسي الذي ما زال يعوّق تشكل الحكومة بعد ستة أشهر على الانتخابات. كذلك، وصفت السفيرة الأميركية المعيّنة لدى العراق، لينا رومانوسكي، خلفاً لماثيو تولر، في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، العراق بـ«حجر الزاوية» للسياسة الأميركية في هذه المنطقة.
على خط مواز، تستعيد الساحة السُّنّية في العراق، تدريجياً، تمثيلها «الحقيقي» الذي غاب خلال فترة الحرب على «داعش»، والذي استغلّته فصائل أخرى موالية لتركيا والإمارات في قلْب المشهد السُّنّي خلال الانتخابات الأخيرة. وتمثَّل ذلك بعودة أمير عشائر الدليم، علي حاتم السليمان، إلى بغداد قادماً من أربيل، بعد غياب استمرّ ثماني سنوات بسبب الملاحقة القضائية على خلفية دوره في عمليات عسكرية واسعة ضدّ قوات الأمن العراقية في محافظة الأنبار، بسبب اعتراضات الفصائل السُّنّية، اعتباراً من عام 2011، على حكومة نوري المالكي. وجاءت عودة السليمان، مؤسّس «المجلس العسكري لثوار الأنبار»، بعد أسبوع واحد على خروج وزير المالية الأسبق، رافع العيساوي، من السجن، حيث مكث منذ عودته إلى العراق في حزيران 2020، بعدما برّأه - في حينه - مجلس القضاء الأعلى من تهمة دعم الإرهاب، وواصل احتجازه بتهم متعلّقة بالفساد. ومثْل السليمان، اعتُبر العيساوي من المحرّضين على الاحتجاجات «السُّنّية» التي وفّرت أجواء استفاد منها «داعش» لإقامة «دولة الخلافة»، على رغم تبرّؤ الرجلين من التنظيم. وفي السياق ذاته، يتوقّع مراقبون عودة قريبة لنائب الرئيس السابق طارق الهاشمي، ومحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، وغيرهما. ومن شأن ما تقدَّم أن يعيد ترتيب الساحة السُّنّية، بعدما اغتنمت شخصيات، مثل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وخميس الخنجر، غياب هؤلاء الممثّلين «الحقيقيين» للسُّنّة، للاستئثار بتمثيل هذا المكوّن، مستفيدَين من كونهما رجلَي أعمال ذوي علاقات إقليمية واسعة، ولا سيما مع الإمارات (الحلبوسي) وتركيا (الخنجر). لكن الذي فتح الطريق أمام هذا التغيير الكبير المحتمل في المشهد العراقي، هو مبالغة التحالف الثلاثي الذي يضمّ الحلبوسي والخنجر عن المكوّن السُّنّي، إلى زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر عن الشيعة، ورئيس «الحزب الديموقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني عن الأكراد، برفْعه الرهان على قلْب الموازين إلى درجة لا يحتملها حتى الحلفاء.