القاهرة | انتهى نهار تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي الطويل رئيساً، أمس، بإعلان المشير برنامج عمله للسنوات الأربع له في سدة الرئاسة. 35 دقيقة، قدم المشير خلالها مشروعه داخلياً وخارجياً للسنوات المقبلة، لعل أبرز ما فيه تعهده أمن المنطلقة وإطلاق ورشة بناء «مصر الجديدة» بمساعدة «الدول الصديقة والشقيقة»، تتقدمها السعودية بقيادة الملك عبد الله، الذي نال النصيب الأوفر من المدح من قبل الرئيس الجديد، في ظل حضور إيراني لافت تمثّل بمساعد وزير الخارجية أمير عبد اللهيان.


فقد جدد السيسي، الرئيس الثامن لمصر، تأكيده حماية أمن الخليج ووضع القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للدفاع عنها، وتمسك مصر بالدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب من أجل إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وإعلاء مصر القضية الفلسطينية عن مصالح الجماعات الضيقة في إشارة إلى حركة حماس، كما أكد أنه لن يسمح بأن يكون سد النضهة سبب أزمة بين المصريين والأفارقة لأن النيل يمثل حياة المصريين، كما يمثل سد النهضة لإثيوبيا.
أما في الداخل، فقد تعهد محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، مهما كانت مناصبهم. وقدّم وعوداً اجتماعية، لكن الأبرز كانت الرسالة الحازمة بأنه «لا تهاون ولا مهادنة مع من يلجأ إلى العنف»، مؤكداً أنه « لا مكان لهم في هذه المسيرة».
السيسي، الذي استهل كلمته في احتفال قصر القبة حيث تسلم السلطة من الرئيس السابق عدلي منصور، بحضور نحو 1200 شخص بالوقوف دقيقة لتحية «الشهداء المصريين من رجال الشرطة والجيش والشعب»، لم ينس دعوة القادة العسكريين، يتقدمهم رئيس المجلس العسكري الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي، فيما جلست زوجته انتصار إلى جوار جيهان السادات قرينة الرئيس الراحل أنور السادات.


التمثيل الخليجي
كان الأكبر على مستوى التمثيل الدبلوماسي


أرسل أمير قطر رسالة تهنئة رغم عدم دعوته إلى التنصيب

ولم يغفل السيسي الحديث بنفس لهجة الرئيس جمال عبد الناصر وإظهار تقوى الرئيس أنور السادات في أداء الصلوات وأهمية تطبيق الدين في التعاملات اليومية وتصدي الأزهر «للتشويه الذي تعرّض له الإسلام على أيدي مجموعة رجال أرادوا استغلال الدين لتحقيق أهدافهم». وهاجم السيسي نظام الرئيس المعزول محمد مرسي، من دون أن يسميه، مشيراً إلى أنه «كان يساهم في ما يحاك من مخططات تنال من وحدة شعبه (شعب مصر) وسلامته الإقليمية»، في إشارة على ما يبدو إلى تحالفات إقليمية قال السيسي أكثر من مرة في مقابلاته الأخيرة إنها كانت تمثل تهديداً للأمن القومي المصري.
وتعهد السيسي بأن يحترم الدستور، وحرص على أن يضيف «دستور دولتنا المدنية وحكمنا المدني» في رد غير مباشر على من يتهمونه بأنه سيؤسس نظاماً عسكرياً بسبب انتمائه إلى الجيش.
كما وعد بتحقيق أهداف الثورة، مشيراً أكثر من مرة إلى أنه سيعمل على تحقيق «الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية».
وحرص الرئيس الجديد على الإشادة بالجيش المصري، وتحدث عن نفسه قائلاً «لقد تعرفتم إلى رجل من رجال القوات المسلحة، وما عبّرتم عنه من ثقة به يعود إلى موقف تلك المؤسسة الوطنية العريقة من تطلعاتكم وآمالكم».
وتابع «اسمحوا لي بأن أشيد بالدور الوطني لقواتنا المسلحة، مصنع الرجال وقلعة الوطنية المصرية على مر العصور، وقد شاء القدر أن يكون لهذه المؤسسة الوطنية دور أساسي في انتصار إرادة الشعب المصري في يناير ويونيو».
وأكد السيسي في خطابه أن المستقبل القريب سيشهد استعادة الدولة المصرية لهيبتها، على التوازي مع الجهد من الجميع لتحقيق الآمال والتطلعات، مستعرضاً مشروعات ضخمة يرغب في تنفيذها خلال الفترة المقبلة؛ من بينها مشروع المفاعل النووي في الضبعة واستغلال الموارد الطبيعية وتقليل تصدير المواد الخام وتصنيعها محلياً.
وشدد على أنه لن يسمح بخلق قيادة موازية تنازع الدولة هيبتها، في إشارة إلى الدور الذي كان يقوم به مكتب إرشاد الإخوان خلال حكم مرسي، مؤكداً أنه سيعمل على مضاعفة الأمن وإعادة النظام للشارع وتحديث المنظومة المصرية وإرساء علاقة «صحية» بين أجهزة الأمن والشعب.
وقال السيسي إن «مصر الجديدة لم تغفل قوتها الناعمة، حيث تسعى الى استعادة ريادتها وستقوم برسالتها من خلال الإسهام المباشر في تحقيق أمن واستقرار المنطقة»، مشيراً إلى أن «نجاح الثورات يكمن في بلورة أهدافها وفي قدرتها المستمرة على التغيير للأفضل، وأن تكون فاعلة وبناءة».
وجدد الرئيس الجديد، في خطاب طويل، أن «أمن المنطقة العربية جزء لا يتجزأ من أمن مصر»، مشيراً إلى أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، ومردداً عبارته الشهيرة «مسافة السكة»، في إشارة إلى تصدي القوات المسلحة المصرية في حال وجود أي اعتداء على دول الخليج، فيما أكد استمرار سعي مصر لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الخامس من حزيران وعاصمتها القدس. وكان السيسي قد أدى صباح أمس اليمين الدستورية رئيساً لمصر لولاية مدتها أربع سنوات أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا بحضور الرئيس السابق عدلي منصور ورئيس الحكومة إبراهيم محلب وأعضاء حكومته والبابا تواضروس الثاني بطريرك الكنيسة القبطية وإمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب، وسط إجراءات أمنية مكثفة فرضتها قوات الأمن على محيط مقر المحكمة الدستورية العليا التي وصلها السيسي عبر طائرة مروحية.
ومساء، وقّع السيسي ومنصور للمرة الأولى في تاريخ مصر على وثيقة تسليم السلطة من الرئيس السابق إلى الرئيس المنتخب، والتي تضمنت التأكيد أن الشعب المصري هو صاحب السيادة ومصدر السلطات ومفجر ثورة «25 يناير»، وما حملته من طموحات وآمال وتطلعات وثورة «30 يونيو» المكملة التي صوبت المسار واستعادت الوطن، وهي العبارات التي تضمنت اعترافاً صريحاً بثورة يناير بتوقيع السيسي، الذي يرفض غالبية أنصاره الاعتراف بها ويعتبرونها نكسة.
كما استهل السيسي قراراته الرئاسية بإهداء المستشار عدلي منصور، الذي قرر العودة إلى منصبه رئيساً للمحكمة الدستورية، قلادة النيل الذهبية التي تعتبر أرفع وسام مدني يتم منحه ويجعل صاحبه يسبق بروتوكولياً رئيس الحكومة في الجلوس في المؤتمرات الرسمية.
ودخل السيسي قصر الاتحادية، أمس، بعد غياب أكثر من 3 أشهر منذ استقالته من منصبه وزيراً للدفاع، رئيساً منتخباً، فوصل موكبه بعد وصول الوفود المشاركة في حفل التنصيب، وبدأ باستعراض حراس الشرف الذين أدوا له التحية العسكرية بعدما أطلقت المدفعية 21 طلقة، أعقبها عزف السلام الجمهوري، ليبدأ رؤساء الوفود بالذهاب إليه وتحيته، ليجتمع معهم لاحقاً على مأدبة الغداء.
وعكس الود في العلاقات السياسية المصرية الخليجية على طريقة تعامل السيسي ومنصور مع قادة الخليج، وخاصة قادة السعودية والإمارات والكويت، فلم يغفل السيسي في أول كلمة بعد توليه منصب الرئيس رسمياً توجيه الشكر للملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز على دعوته لمؤتمر أصدقاء وأشقاء مصر الذي يهدف إلى مساعدة الاقتصاد المصري عبر مساعدات اقتصادية.
التمثيل من دول مجلس التعاون كان الأكبر على مستوى التمثيل الدبلوماسي مقارتة بباقي دول دول العالم، باستثناء قطر التي حضر سفيرها في القاهرة سيف بن مقدم البوعينين بعد غياب عدة أسابيع في بلاده، حاملاً رسالة تهنئة للسيسي من أمير قطر تميم بن حمد ورئيس وزرائه عبد الله بن خليفه، بينما حرص على الحضور كل من ولي العهد السعودي، الأمير سلمان بن عبد العزيز وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، بالإضافة إلى أمير الكويت، صباح الأحمد الصباح وملك البحرين حمد بن عيسي ومبعوث شخصي من سلطان عمان قابوس بن سعيد.
وفي غياب الممثل السوري عن الاحتفال بسبب طرد السفير السوري من القاهرة قبل أكثر من عام، مثّل لبنان رئيس مجلس النواب نبيه بري، وحضر ملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، فيما اكتفى الرئيس التونسي منصف المرزوقي بإرسال وزير خارجيته المنجي بن نصيب الحامدي، رغم تلقيه دعوة للحضور.
وغاب التمثيل الأوروبي القوي في أداء اليمين القانونية للمشير رئيساً، فلم تصل إلى القاهرة أي وفود غربية من الاتحاد الأوروبي، فيما حضر مستشار وزارة الخارجية الأميركية توماس تشانون ممثلاً عن الرئيس الأميركي باراك أوباما، بينما توافد رؤساء ووزراء خارجية دول أفريقية، ما رسخ فكرة التوجه نحو أفريقيا لدى الرئيس الجديد الذي حرص على دعوة رؤساء وملوك القارة السمراء، وخاصة أن مقعد مصر في الاتحاد الأفريقي لا يزال معلقاً منذ 30 يونيو الماضي.




مشاركة إيرانية لافتة

لعل البارز في الحضور الأجنبي كان مساعد وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان، في خطوة بالغة الدلالة تعبر عن رغبة إيرانية في فتح صفحة جديدة مع مصر، لكنها لا ترى في المشاركة في حفل التنصيب البوابة الكافية لها نظراً إلى تعقيدات العلاقات المصرية الإيرانية.
وكان رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران قد وجه الأسبوع الماضي دعوة إلى الرئيس حسن روحاني للمشاركة في حفل التنصيب. لكن الدبلوماسي المصري ووجه بعتب إيراني وتساؤلات تتعلق بتصريحات سابقة للسيسي تؤكد أن «العلاقة مع إيران تمر عبر الخليج العربي». وقد استفسر المسؤولون الإيرانيون عن مغزى هذا الكلام وإن كان يعني أنه في حال أراد الإيرانيون التواصل مع نظرائهم المصريين، فهل يكون ذلك عبر الرياض؟
وتفيد المعلومات الواردة من طهران بأن الاتجاه كان في أن يمثل الجمهورية الإسلامية في حفل التنصيب رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، قبل أن يستقر الرأي على ذهاب عبد اللهيان، في رسالة تؤكد رغبة إيران في بناء علاقات جيدة مع الحكم المصري الجديد، كانت أبلغ التعبيرات عنها تهنئة طهران للمشير السيسي بانتخابه رئيساً، قابلها الأخير بدعوة روحاني إلى حفل التنصيب. ولعل أبلغ من عبّر عن هذه النية رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني علاء الدين بروجردي الذي قال «إننا ننتظر الآن لنرى كيف سيكون رد الفعل المصري في العهد الراهن، فالمواقف الأولية لحكومة السيسي لم تكن بالشكل الذي نلمس منها بأنها قائمة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة». وأضاف إنه «عندما نلمس خطوة من الطرف المقابل، فمن المتيقن أن طهران سترد بخطوة أكبر وإن الوقت لم يفت بعد وإننا نؤمن بالتعاون مع مصر لأن هذا البلد يملك شعباً كبيراً وتراثاً ثقافياً عملاقاً، وقد لعب دوراً في ماضي العالم الإسلامي والعربي، وينبغي أن يعود الى عظمته وماضيه السابق، ونحن بدورنا مستعدون للتعاون والدعم. وعلينا أن ننتظر ونرى كيف هي سياسة القاهرة وما هي مواقفها».