اعلم... اعلم انه وحتى السنوات القليلة الماضية، كان هناك من يظن أن مخيم اليرموك، جنوب العاصمة السورية دمشق، مجرد مجمع لخيم يسكنها النازحون الفلسطينيون من بلادهم التي هجرتهم منها عصابات الصهاينة والغرب الاستعماري المتواطئ معها في الاربعينات، وهو يجهل أو يتجاهل أي روح مدنية وأي تطور عمراني كان عليه حال هذا المخيم. لكننا كنا نقابل جهل هذا البعض، بدعوته لتناول جرعة من الحياة اليومية في مخيم اليرموك، لن يعرفها او يتذوقها خارجه. هكذا كنا نأمل ان لعله بعدها يقبض على معنى جديد لحياته. وفي الحقيقة، ما كنا إلا لنعذر جهل هذا البعض... فكثير من الناس لم يروا في المخيم سوى الخيم، حتى لو ارتفعت أبنيته شاهقة وبلغت طوابقها السماء. ولكن لِمَ ظل اسم مخيم اليرموك مخيماً...؟


هو مخيم فحسب، تركنا خيامه ورفعنا بيوت الباطون والحجر انحيازاً لإنسانيتنا، ولكننا تمسكنا باسمه انحيازاً لعودتنا، فخارج كلمة المخيم لا يستوي معنى الفلسطيني. المخيم يعني الانتظار... يعني نقطة الانطلاق الى هناك حيث كانت بيوتنا التي يسكنها اليوم ما هب ودب من مهاجري العالم.
المخيم لم يكن يوماً جغرافيا محددة بجهات أربع... المخيم هو في الواقع ضمير الفلسطيني، حتى لو شاؤوا له عكس ذلك. هو ليس خيماً وأحجاراً، إنه فكرة قد تتمثل حيناً بخيمة تُترك للريح يوم عودتنا، وقد تصير باطوناً واسمنتا وأعمدة راسخة في الأرض من دون أن تعني رسوخنا نحن فيها بقدر ما تعني المكوث إلى حين عودتنا.
وقد يصير المخيم رمزاً، وقد نحمله في حقائبنا ونحن نضرب عميقاً في أصقاع الأرض شرقاً وغرباً، وقد يغفو في شهادات ميلادنا أوعلى شواهد قبورنا، ولكنه يظل دائماً مكان إقامة موقتة ريثما تقرع أجراس العودة.


بدت صورته وهو ذاهب إلى المستشفى أشبه بصورةٍ للمسيح

يوم قالت أم سعد: «خيمة عن خيمة تفرق»، كانت تميّز بين خيمة المقاتل وخيمة سواه... لكنها لم تقل «مخيم عن مخيم يفرق»، فالمخيمات تتشابه ما دامت جميعها تعني شيئاً واحداً فقط، هو أنها محطة موقتة لعودتنا.
تذكرت ام سعد في عرس صديقنا رامي، كانت أم سعد قد أسقطت الخيم الفلسطينية بالاختلاف، وأصابت المخيمات الفلسطينية بالتشابه، وكان العريس الفلسطيني رامي يمضي وعروسه الإيرلندية في قاعة فخمة على إيقاع الأهازيج الفلسطينية، بدا مشهداً يداعب شغاف القلب، أن ترتفع سيرة المخيم في أكثر الأماكن ترفاً، بدا مثيراً للأمان حين لم تنسينا فخامة قاعة العرس الكوفية الفلسطينية، فاحتشدت الأيادي التي لوحت احتفاء بالعريس، كان المخيم معنا في أكثر الأماكن ترفاً، وظل المخيم فيها شهادة على «اننا عائدون» رغم كل ما أصبحنا عليه.
لم تقل أم سعد: مخيم عن مخيم يفرق... هي هجت الخيم ولم تهجُ المخيم، ففي الخيام ذل اللجوء، وفي المخيم كرامة العودة، تتبدل أحواله بين يسر وفرج، يكون حجراً أو يكون معنى.. لكنه يظل الشاهد على العودة.
ليس ترفاً إن عاش الفلسطيني خارج مخيمه، فالمخيم يسكن فيه...
هم ظنوا المخيم مجرّد جغرافيا فحاصروه، وكان المخيم أسلوب حياة لم يبلغوها، وقد أردوانا أن نستقيل من إنسانيتنا لصالح فلسطينيتا بداعي عودتنا، فحاصرونا بالجوع والإهمال والرصاص...
لكننا وسط الحصار انحزنا للإنسان الفلسطيني فينا، وكنا مع كل تنهد لامرأة منا، نعلن بعد تسعة أشهر ميلاد عائد جديد.