الجزائر - تمارا سلام

منذ ان بدأت الحرب وكل شيء يدور حول الاحتمالات. لم استطع ان افهم كيف يتحسس جسدي من البرد، هو حادث غير منطقي بالنسبة لي. لا يمكنني قبول التبدل الفيزيائي الذي يطرأ على جسدي في الوقت الذي لا يمكنني فيه امساك السبب ككتلة موجودة بين الاصابع او فوقها. احب ان اطلق على هذا المكان اسم ارض المبالغات. مازلت لم اتاكد ان كانت افريقيا حقاً تحمل كل طاقات الكوكب أم اني لم اكن ارى كل العبثية والتناقضات في دمشق. احتمالات الموت التي بدأت عندما اغلقت باب بيتي ثم انفجرت القذيفة في اخر الشارع وانطلقت الرصاصات. في الجزائر يموت شخصين وسطياً بشكل يومي بسبب حوادث المرور. قريباً اكمل عامي الثاني هنا، ولم استقر لشهرين كاملين في ولاية واحدة منذ مجيئي. لكن الموت لايعني لي شيئاً! احتمالات الحياة تكون موجعة اكثر... اليوم صرخت بجنون وقلت انه ليس لدي شيء لخسارته. وعندما فكرت اكثر بما قلت، ضحكت في داخلي. عندما اضحك في نفسي تكون تلك اللحظات الوحيدة التي اشعر فيها اني لم انكسر. اتوقف عن الكتابة لأفكر كيف ساخذ «دوشاً» ساخناً. الماء الدافئ مقطوع منذ اسابيع.

ما هي الاحتمالات المريحة لغلي الماء في طنجرة صغيرة داخل الغرفة وتجميعها في وعاء اكبر؟ جسدي يهددني: سوف اتقيؤك.. وانا احاول ان اضحك في نفسي من جديد. العام الماضي كنت قد الصقت ورقة كبيرة في غرفتي كتبت فيها: انت حرة. لتذكير نفسي اني حتى لو اقتنعت كما يريدون مني، بأني حيوان يمشي... سأكون في الوقت نفسه حيواناً حراً. في الصيف لم تكن احتمالاتي كثيرة: إما الصحراء او الصحراء. كانت لدي دعوة الى اوروبا، لكني كنت اجدد جواز سفري السوري الفلسطيني الذي استغرق وصوله ثلاثة اشهر ونصف! لم يكن هناك احتمالات بتاتاً، وفي اخر اسبوع حصلت على جوازي والتأشيرة وبطاقة الطيارة بسرعة خيالية. الآن بعد حصولي على منحة في الكتابة، فإن ذلك لا يعني تبدل شيء تجاه عدد الابواب التي اعرفها. اشعر بالشعور نفسه «الخراء»... لكن هذه المرة الاحتمالات اوضح. بامكاني ان اركض للحصول على موافقة دخول لبنان... وبامكانهم الرفض كوني فلسطينية من سوريا ولست سورية وبامكانهم أيضاً الموافقة... ولكن، اوقف الجزائريون دخول الفلسطينيين الى اراضيهم، اعني بذلك اني اخاطر بعدم قدرتي على العودة الى هنا رغم دراستي الجامعية لعامين متتاليين فيها.
اتوقف عن الكتابة من جديد وافكر: لماذا يظهر الفلسطينيون في كل مشاكل الكوكب؟ لو لم اكن اشعر الآن بأني حيوان مهمش وانه ليس لدي الكثير من احتمالات الحياة، لربما كنت سأستطيع التفكير في جواب مناسب. ما يشغلني الآن هو اخر احتمال. أحك رأسي واصاب بالتوتر، افكر بأني قد اكون حبيسة هذا اللامكان هنا لوقت طويل. لا اخرج لا اعود لا ارحل الى اي مكان. كنت اهلوس اللبارحة بـ«باب توما» (الحي الدمشقي العريق) وبالخزانة التي وجدت نفسي فوقها التقط بعض الصور. وقلت لك ان المشكلة ليست بالانتماء للمكان. المشكلة اصلا بوجود مكان. اتوقف عن الكتابة، ابكي... ثم اضحك في نفسي عند وضعي اخر نقطة، لانها لا تنكسر.