أمس، حققت سوريا الفوز بإجراء انتخابات أكدت وحدة الجمهورية، جغرافياً وسكانياً، من درعا إلى حلب؛ وأظهرت تعافي وانتظام مركزية الدولة؛ واقترعت لخياراتها الاستراتيجية في الاستقلال والعلمانية والتنمية والمقاومة والانتماء للحلف الدولي الصاعد في مواجهة الإمبريالية العالمية. وعلى المستوى الداخلي، أكد السوريون أن عصبية الدولة الوطنية هي فوق كل العصبيّات الفرعية، وأنهم ينتظمون في كتلة اجتماعية مدنية واحدة، تتخللها صراعات مطلبية وتعددية وخصوصيات، إنما في إطار وحدوي، وتعاني من أزمة، لكنها أزمة نموّ، لا أزمة شيخوخة.


أمس، حسمت الدولة الوطنية السورية، الحربَ، سياسياً، وحققت حضورها باعتبارها القوة الرئيسية في البلاد؛ فهي تمكنت، أولاً، من تنظيم انتخابات رئاسية ذات صدقية من حيث الترتيبات اللوجستية والإدارة وحجم المشاركة وتنوّع المشاركين والنزاهة في 13 محافظة من أصل 14؛ واستطاعت، ثانياً، تظهير أغلبية سياسية (نشدد: سياسية، لا طائفية ولا جهوية ولا حزبية الخ) تسند شرعيّة الحكم، بصورة نهائية، اعتباراً من لحظة قفل الصناديق؛ وأوضحت بالملموس، ثالثاً، حجم السيطرة العسكرية والأمنية للدولة على القسم المعمور من سوريا. وهذه السيطرة هي، في الأخير، تعبير عن هيمنة سياسية في مقابل انهيار سياسي شامل للمعارضة والتحالف الإمبريالي ــــ الرجعي العربي ــــ التركي الذي يستخدمها ضد سوريا / المقاومة.
من بين ثلاثة أوصاف أطلقها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، على الانتخابات الرئاسية السورية، يصحّ أحدها: «إهانة»؛ إنها، بالفعل، إهانة مذلّة وجّهها السوريون للتحالف الغربي ـــ الخليجي ـــ التركي وأذنابه من العرب، وخصوصاً من حَمَلة الجنسية السورية، سواءٌ مَن كان منهم إرهابياً أو «مثقفاً ليبرالياً» مصطفاً في خندق الإرهاب والبترودولار.
الصفتان الأُخريان اللتان جرتا على لسان كيري الذي فقد أعصابه وتحوّل إلى شتّام، واحدة اختصّ بها ـــ وهي بلا معنى ـــ «تزوير»؛ وكأن القضية هي نجاح مرشح لا نجاح الانتخابات نفسها! والثانية وزّعها على ألسنة الردّاحين: «مهزلة»؛ فأي مهزلة تلك التي يتحدى فيها ملايين البشر، التهديداتِ الإرهابية والقصفَ العشوائي بالهاونات واحتمال انفجار المفخخات، للمشاركة في انتخابات في بلد يعاني حرباً ضروساً منذ أكثر من ثلاث سنوات؟ إنها، بالأحرى، ملحمة.
لا كيري ـــ ولا أحد سواه من الجبهة المعادية لسوريا ـــ استطاع أن يقدم اعتراضاً واحداً يحظى بالاعتبار، على الانتخابات الرئاسية السورية:
ــــ «لا تغطي كامل التراب السوري»؟ صحيح؛ ولكنها تنتظم معظم الجغرافيا السورية التي تحررت من سيوف الإرهابيين، في حين حمل مئات الآلاف من السوريين، الجغرافيا الخاضعة للإرهاب، على أكتافهم، نحو صناديق الاقتراع.
ــــ «لا تشمل 40 في المئة من السوريين»؟ ولكن ذلك ــــ بغض النظر عن صحة النسبة المتداولة ــــ حدث رغم إرادة الدولة السورية والشعب السوري، حدث بسبب الحرب التي يشنها التحالف المعادي على سوريا منذ 2011. ومع ذلك، فنحن أمام انتخابات تحظى بنسبة مشاركة عالية بالمقارنة مع أي عملية انتخابية أخرى في العالم.


لم يقدم أحد
من الجبهة المعادية لسوريا اعتراضاً
يحظى بالاعتبار
ــــ «إنها انتخابات مؤيدي النظام»؟ نعم. ولكنها انتخابات الأغلبية الاجتماعية الوطنية المتشكّلة من كل المكوّنات السورية بلا إقصاء لأحدها وبلا مقاطعة من أحدها على أسس عصبية أو طائفية أو مذهبية أو جهوية الخ؛ فمؤيدو النظام يشكلون في النهاية، إذاً، أغلبية سياسية وطنية. ولأنهم كذلك، فقد صمد النظام في مواجهة شرسة مع أعدائه من الولايات المتحدة إلى قَطر، وما بينهما.
ــــ «لا توجد فيها منافسة حقيقية»؟ صحيح؛ ولكن أين هي الشخصية السورية المعارضة التي يمكنها اليوم منافسة المرشح بشار الأسد؟ المرشحان الوطنيان، ماهر حجار وحسان النوري، تحلّيا بالشجاعة للمشاركة في عملية سياسية وطنية ستقود، في النهاية، إلى انتخابات تنافسية. لكن الشعب السوري اليوم يقترع للدولة الوطنية وللجيش الوطني، ورمزهما الحالي هو بشار الأسد.
ــــ «78 في المئة من اللاجئين السوريين يعتبرون هذه الانتخابات غير شرعية» هكذا يدعي مركز دراسات قَطري. حقّاً! هل علينا أن نصدّق نتائج دراسة قَطرية بشأن سوريا؟ ولكن؛ لندع الأرقام والنسب جانباً؛ فهي موضع سجال من أي جهة جاءت؛ لكن السؤال هو: أين هم هؤلاء المعترضون على شرعية الانتخابات السورية؟ أين هي تعبيراتهم السياسية وتظاهراتهم واحتجاجاتهم الخ؟ مؤيدو الانتخابات، بغض النظر عن الأعداد ـــ وهي كبيرة بالعين المجردة ـــ فاعلون سياسياً، مصممون، نشطاء، متّحدون؛ فهل نظّمتهم الدولة السورية؟ حسناً، ما زالت هذه الدولة قادرة على التنظيم والحشد، في حين فشلت «المعارضة» في تنظيم أنصارها في فعل سياسي معاكس؟ ليس لدى «المعارضة» سوى الشتّامين والإرهابيين. وهؤلاء لا يصنعون ثورة ولا دولة، بل فوضى وتفتيت وإجرام، هي ما اقترع السوريون ضده.
بعد نجاح الانتخابات الرئاسية السورية، لم يعد ممكناً التشكيك في شرعية قيادة الرئيس بشار الأسد للحركة الوطنية السورية التي تتجسد في دولة تواجه اليوم أربع مهمات أساسية؛ أولاً، اجتثاث الإرهاب؛ ثانياً، استكمال المصالحات المحلية، وتظهير خطاب التسامح والمواطنة بغض النظر عن الميول السياسية، وصولاً إلى العفو العام؛ ثالثاً، التحضير لإعادة استيعاب كل القوى السياسية الوطنية، بغض النظر عن أحجامها، في أطر الدولة والقرار، رابعاً؛ التوصل إلى تحالف اجتماعي وطني جديد للقوى الاجتماعية الوطنية، المنتجة والحيوية والتقدمية، العمال والفلاحين والعسكريين والصناعيين والإداريين والمثقفين والطلاب الخ. ومن شروط هذا التحالف الأخذ في الاعتبار المطالب الفئوية المشروعة، وتقنينها في سياق التنمية الوطنية والديموقراطية الاجتماعية؛ خامساً، الشروع في عملية تحسين جدي وفوري للظروف المعيشية والإنسانية لأغلبية السوريين، وخلق الأجواء المناسبة لاستعادة لاجئي الحرب، بشروط تناسب كرامة السوري وعزته الوطنية.