دمشق | هذا الصباح، سيتسنّى لدمشق أن تحصي عدد جرحاها وشهدائها، بالتزامن مع إحصاء الأصوات التي نالها الرئيس بشّار الأسد ومنافساه عضو مجلس الشعب ماهر الحجّار والدكتور حسّان النوري في انتخابات أمس. استفتت العاصمة السورية الأسد رئيساً لولاية جديدة، على وقع عددٍ غير مسبوق من قذائف الهاون. ومع ذلك، هتف الدمشقيون وهزجوا بانتخابات الرئاسة وحب الحياة حتى ساعة متأخرة من الليل، فوق آثار الموت.


السادسة صباحاً في قلب دمشق، لا شيء يعكّر صفو أشعة الشمس فوق رذاذ الماء المتطاير من نوافير ساحة الأمويين. نصف ساعة ليس أكثر، تستيقظ المدينة باكراً على غير عادتها، ويبدأ اليوم الانتخابي الطويل الذي لم ينته عند السابعة مساءً، إذ مددت اللجنة العليا للانتخابات خمس ساعات إضافية للاقتراع، بسبب الإقبال الكثيف.
الجولة على المدينة بكاملها تبدو ضرباً من الخيال. أكثر من 10000 مركز انتخابي و12000 صندوق حصّة دمشق ومحيطها من الانتخابات الرئاسية. ومع أن ساعات ما قبل الظهر كانت الأهدأ نسبياً، كان الاقبال خفيفاً على مختلف مراكز الاقتراع. ومع انتصاف الشمس، بدأت المراكز بالاكتظاظ لتبلغ معدلاً متوسّطاً عند الثانية ظهراً تقريباً، بحسب تقديرات المعنيين في أكثر من مركز انتخابي. بقي الاكتظاظ حتى آخر اللحظات التي سبقت إغلاق الصناديق.

عندما تتحرّر الغوطة

من ساحة الأمويين، إلى المدينة الجامعية عبر أوتوستراد المزّة، لا تحتاج إلى أكثر من دقائق. فانتشار الصناديق الانتخابية في أغلب المراكز الحكومية والرسمية والمؤسسات الرديفة دفع الناخبين إلى التنقّل سيراً على الأقدام. يقول المعنيون هنا إن «توزيع المراكز الانتخابية بشكل كثيف هدفه توفير العناء والخطر الأمني على المواطنين للانتقال إلى مراكز انتخابية بعيدة، ولتخفيف زحمة السير»، ما يسهّل تنفيذ الإجراءات الأمنية.
حسن، طالب سنة ثانية في كليّة العلوم السياسية، ينتظر دوره للاقتراع في صندوق المدينة الجامعية. يعدّد أسماء أكثر من خمسة من أقاربه، إمّا أعدمتهم «داعش» في الرّقة، وإما جلدوا في ساحة عامة، وأغلبهم، بالمناسبة، لا يفوّت فرض صلاة! لا داعي لسؤال حسن لمن سيقترع، سبق أن اختار الشاب اسم الأسد من القسيمة الانتخابية التي يحمل في يده. التصوير ليس ممنوعاً داخل قلم الاقتراع، «بعد أن تتحرّر الغوطة الشرقية بتصوّرنا» تبتسم هناء، طالبة العلوم الاجتماعية من حرستا. هناء واحدة من مجموعة فتيات طلبن ألا تلتقط العدسات صورهنّ، لأنهن من مناطق في الغوطة الشرقية، وبعضهن لا يزال أهلهن هناك، في مناطق يسيطر عليها مسلّحو المعارضة.


احباط أكثر من
11 محاولة إدخال حقائب ملغومة وأحزمة ناسفة
على مقربة من المدينة الجامعية، يتجمّع موظفو مشفى المواساة وجيرانه في باحة المشفى. تمتزج ألوان العلم السوري ببياض «البرنص» الذي يكسو أغلب الحاضرين، وتعلو الأهازيج المؤيّدة للأسد. دقائق قليلة، ويقطع وصول سيارة الإسعاف حاملةً أحد جرحى القذائف العشوائية أجواء الابتهاج... ليس لوقت طويل، الإصابة طفيفة...
«ماما هاتي إصبعك»، تنده الخمسينية على ابنتها في غرفة صندوق الاقتراع داخل مركز الاسعاف الخيري قرب دوّار المحافظة. في يد الدمشقية دبّوس صغير، أنهت للتوّ وخز إبهامها به، لتصوّت لـ«الدكتور» بالدم، وتوشك أن توخز به إبهام ابنتها العشرينية من جديد. قد يحوز السوريون براءة اختراع لنظرية «الاقتراع بالدّم»، إذ لم يتوقّف الأمر على السيدة حنان وابنتها وابنة أختها التي خاضت طقس الدبوس هي الأخرى. لا يكاد يخلو أي قلم اقتراع تمكّنت «الأخبار» من زيارته من دبّوس مدسوس في جيب أحد الناخبين، أو عدد لا بأس به منهم. على شرط، أن الموظّف المسؤول في كلّ مركز انتخابي لا ينفكّ يبلغ الناخبين أن الأوراق الموقّعة بالدم ملغاة. يحتدّ الموظّف، ويحتدّ الناخبون، ولا شيء يتغيّر!
اختار وفد المغتربين السوريين الآتين من بلجيكا وفرنسا ساحة المحافظة للاحتفال بمجيئهم إلى سوريا. الحديث مع المغتربين يعني أن تسمع كلمة عربية وكلمة وفرنسية في جملة واحدة. يجمع أغلبهم على أن سوريا ديموقراطية أكثر من الدول التي يعيشون فيها، إذ لا يقتنع هؤلاء بأن دولة كفرنسا تحاضر في العفاف الديموقراطي ولا تحتمل أن تجري الانتخابات السورية على أرضها، «نحن من حقنا نختار مين بدنا رئيس، شو إلهم معنا؟» يقول نادر. وفد المغتربين السوريين في أميركا اختار مركز نقابة الأطباء في أبو رمانة لإطلاق هتافات مناهضة للرئيس الأميركي باراك أوباما ومؤيّدة للأسد والجيش السوري. «أميركا ديموقراطية إلى درجة يمكن أن يفشّ أي مواطن خلقه، ويشتم الرئيس الأميركي، لكنها لا تتحمل انتخابات للسوريين... ممكن النصرة تعمل انتخابات في أميركا»، يقول أحد المغتربين.
الحال لا تتغيّر كثيراً من الحمرا إلى الصالحية إلى الشعلان ودمشق القديمة. يقف بائع التمر الهندي بزيّه القديم وقارورة الشراب البارد على ظهره في ساحة باب توما. الشاب المهجّر من سقبا وجد في الناخبين المجتمعين زبائن كُثراً، لا يبخلون بالعشرين ليرة لكوبٍ لذيذ في حرّ الظهيرة. باب توما والقصّاع كانتا تنتخبان بين القذيفة والقذيفة.
على هامش الصورة، تسجّل مصادر رسمية متابعة لتفاصيل العملية الانتخابية جملة ملاحظات. تقول المصادر إن «الانتخابات جرت على الرغم من التهديدات الأمنية العالية، من دون أن يتحقّق خرق أمني يُذكر على مستوى التهديدات بالعمليات الإرهابية». ليس هذا فحسب، تعتدّ المصادر بأن «الانتخابات جرت والجيش لم يوقف أي محور من محاور القتال، بل على العكس، صعّد من عملياته».
وعلمت «الأخبار» أنه جرى إحباط أكثر من 11 عملية إرهابية في محاولات إدخال حقائب ملغومة وأحزمة ناسفة على أكثر من مدخل إلى العاصمة دمشق، إضافة إلى عدد من السيارات التي تم رصدها ومتابعتها، عدد منها حاولت الدخول من جهة قدسيا، وعملت الجهات الأمنية على التكتم على أخبار من هذا النوع لعدم إثارة الرعب بين المواطنين.
سوريا تغيّرت كثيراً منذ الاستفتاء الأخير على الأسد عام 2007. من اقترع أمس لم ينتخب الرئيس وحده، انتخب السوريون سوريا... الجديدة.




جرمانا

دخول السيارات إلى جرمانا، الضاحية الجنوبية الشرقية لدمشق، ممنوع إلّا للسيارات العسكرية والأمنية. المدينة موعودة بسيّارات مفخّخة وانتحاريين، وبكلّ الموت والقتل الذي يبدعه المعارضون «الأحرار». توزّعت في جرمانا 103 صناديق انتخابية على أكثر من خمسين مركزاً انتخابياً، ومع حلول المساء، كانت 39 قذيفة هاون قد سقطت على جرمانا وحدها، من أصل أكثر من مئة سقطت على عموم دمشق. لا حصيلة مؤكّدة معلنة حتى الساعة عن عدد الضحايا في جرمانا، إلّا أن بعض المصادر أكدت لـ«الأخبار» أن عدد الجرحى كبير ولا شهداء، فيما بلغ عدد الشهداء حوالى عشرة في باقي مناطق دمشق وعدد كبير من الجرحى. وبحسب المصادر، فإن العدد التقريبي للناخبين في جرمانا، من أهالي الضاحية إضافة إلى النازحين إليها، بلغ تقريباً حوالى 700 ألف، لكنّ عدداً من الأهالي انتقل ليل أول من أمس إلى مناطق أكثر أمناً كالسويداء، على أن يقترع هناك، ولم يمنع ذلك مراكز الاقتراع من الاكتظاظ حتى نهاية المهلة الانتخابية. في المساء، لم تختلف جرمانا كثيراً عن دمشق، كنس الأهالي بقايا القذائف من ساحة الرئيس والساحات الأخرى، ورقصوا.