تخطى القطريون جميع الخطوط الحمر. لم تكن البطاقة الحمراء التي رفعها محتجون في هونغ كونغ بوجه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جوزف بلاتر سوى صورة عن الرأي العام العالمي تجاه ما يحصل هناك في الإمارة الخليجية.

إنها كأس العالم الملطخة بالدماء، حيث تتزايد أعداد الوفيات خلال عمليات بناء الملاعب التي ستحتضن مونديال 2022، وقد انفجرت فضيحة هذه الكارثة عبر العمال النيباليين الكثر الذين لقوا حتفهم بسبب ظروف العمل القاسية التي يواجهونها.

تقرير صحيفة «ذا غارديان» البريطانية الشهير فضح الكارثة بالتفاصيل، معلناً ذهاب لعبة كرة القدم، صانعة الأفراح في العالم، في اتجاهٍ آخر. اتجاه لم تكن اللعبة ستأخذه يوماً، حيث لم يتوقع أحد أن تصبح مقبرة للشعوب الفقيرة بعدما صنعت أفراحهم دائماً. أما صحيفة «هافينغتون بوست» الإلكترونية الشهيرة، فلم يكن تقريرها أقل عنفاً، إذ رجحت وصول عدد الوفيات إلى أكثر من 4 آلاف عامل قبيل انطلاق كأس العالم عام 2022، وذلك في حال تعاظم عدد القوة العاملة كما هو متوقع. وهذه التقارير غير عبثية على الإطلاق، فهي مبنية على بيانات حصل عليها الوفد الدولي الذي زار قطر من السفارتين الهندية والنيبالية...
ورغم نفي قطر هذه الأنباء غير مرة، إلا أن تقارير مشؤومة مثل هذه كانت كافية لينتفض الاتحاد الدولي لكرة القدم. لكن بلاتر قال، وعلى الجميع أن يصدق كلامه: «لا يمكننا إثبات الاقتصاص لحقوق العمال». عاد منذ أشهر قليلة واستدرك: «لقد أخطأنا بإعطاء المونديال لقطر، لا نملك سلطة تسوية الوضع». إنها بداية التنصّل من مساءلة الفاعلين، وما نفع الاعتراف بالخطأ الآن؟ أرواح الموتى ستلعنهم إلى الأبد، وستلعن كل من كان وراء هذه المأساة.


رجحت «هافينغتون بوست» وصول عدد الوفيات إلى أكثر من
4 آلاف عامل
لقد بنى هؤلاء العمال مدينة الدوحة، بنوا بسواعدهم ناطحات السحاب التي تلامس السماء. باتت مدينةً بجهدهم، وهم يحصلون لقاء ذلك (بحسب منظمة هيومن رايتس واتش) مبلغاً يراوح ما بين 8 و11 دولاراً في اليوم الواحد. والأسوأ أنه عندما يحلو لصاحب العمل خفض المبلغ فإنه يفعل ذلك دون أي تردد. يحصل ذلك في بلد نصيب الفرد فيه من الدخل نحو مئة ألف دولار، وهو من أعلى المعدلات في العالم.
لا حيل للعمال هناك، فقد أتى معظمهم لكسب أكثر مما يكسبه في بلده، لكن لا شك في أنهم يريدون العودة إلى بلادهم. وهذا الطلب الأخير ممنوع عليهم. سحب رب العمل جوازات سفرهم، حتى نهاية أعمالهم في بناء الملاعب. الباحثة في «هيومان رايتس ووتش» المختصة بالشرق الأوسط بريانكا موتابارثي، أكدت هذه الحادثة: «التقينا مجموعة من سبعة عمال نيباليين في مجمع «أسباير» الرياضي يريدون العودة إلى نيبال، لكن أصحاب العمل يرفضون رد جوازات سفرهم، لا تأشيرة خروج لهم»! هناك يجبر هؤلاء الفقراء النيباليون والهنود وغيرهم من الجنسيات الآسيوية، على العمل في ظل درجة حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية. يعيشون بظروف معيشية قاسية وبيئة صحية سيئة جداً وغير لائقة بأي إنسان، فلو حصل أن عمل بها أي من هؤلاء «الأرباب»، لارتضى الموت دون ذلك.
لا مفر لهم، ولا أحد يساعد على تحسين الوضع أيضاً. لقد استسلم العمال. استسلموا تماماً لما يراد لهم أن يكون قدر العاملين الأجانب في قطر. الأمل بنجاتهم بات ضئيلاً جداً، لا لسبب إلا لأنها قطر، البلد الذي ما إن يواجه معضلة دولية أو غير دولية، يحلها بالأموال التي تفرزها مضخات الغاز. يضخون في جيوب كثيرين. هم الموهوبون في الضخ، ضخ الأموال في جيوب وأفواه من يحاول أن يسيء إلى صورة قطر «الناصعة البياض»، من شدة قوة إضاءات استوديوات الجزيرة التي لا تُسلَّط إلا على «الجمال المصطنع» في هذه
الصحراء.
قطر، وكما يليق بقطر، وقعت بتهمة العنصرية، وأوقعت بلاتر في فخ «الإسقاط العنصري». «استغلال» غير أخلاقي للعبة وللعمالة أيضاً. لا رغبة لأحد في تشويه صورتها، إنها جحيم، ويمكن توجيه هذه التهمة إليها من دون أي التباس.
عندما رفع بلاتر اسم قطر فائزةً بمونديال 2022، وجدت هذا البلد فئة واسعة من المصفقين. تصفيق يمكن القول عنه اليوم، براحة ضمير، إنه يبعث على الغثيان. وحدها إنكلترا بدأت منذ اليوم الأول بتوجيه سهام النقد إليها. كانت الصحافة الإنكليزية الأبرز على الساحة. وهذا النقد ليس حباً بالإنسانية فقط، بل لأن «بريطانيا العظمى» خسرت شرف استقبال أبرز وأكبر حدث عالمي، أمام قطر «البلد الصغير».
المؤسف أن قطر فعلت كل هذا باسم كرة القدم. لم يحصل هذا سابقاً، باتت اللعبة ملطخة بدماء الأبرياء. في نهاية المطاف، الاتحاد الدولي لكرة القدم، بشخص بلاتر، مشارك بهذه الجريمة، وإن كان هناك من حلّ، فهو بإقالته لوضعه في سجن يليق بأفعاله على أقل تقدير، وبسحب كأس العالم من قطر، قبل أن يستسلم بقية العاملين لهذا «الجحيم»
القطري.