المليحة | تشقّ السيارة الصغيرة وحشة الطريق الترابية بين بساتين التوت والجوز والأشجار البرية على أطراف نهر بردى، في ريف دمشق الشرقي. جنود الجيش السوري العائدون إلى جرمانا سيراً على الأقدام من جبهة المليحة، لا بدّ أنهكتهم قسوة المعارك على بعد كيلومترات قليلة. «عربة الشيلكا» تأخذ بدورها استراحة على بعد كلم من الجبهة الملتهبة.


عملية استعادة المليحة من قبضة المعارضة المسلّحة، التي أطلقها الجيش قبل 60 يوماً، تزداد حدّةً مع تقدم القوات السورية وحلفائها إلى عمق الأحياء وأطراف البساتين المحيطة بـ«بوابة الغوطة الشرقية».
الدخول إلى وسط المليحة شديد الخطر، ولا يسمح به العسكريون حتى للصحافيين. فالاشتباكات لا تزال تدور في عمق الأحياء الشرقية وبساتينها القريبة، وأصوات القصف العنيف تدوّي في أرجاء مدينة دمشق، وفي جرمانا القريبة طبعاً.
الانتقال من حاجز «النور» التابع للجيش في أطراف جرمانا، إلى الخطّ الحربي الفاصل مع المليحة، يعني الانتقال من حياة إلى أخرى... وربما موت آخر.
موت لم يعد يخيّم فوق جرمانا. خزّان النزوح السوري (حوالى 700 ألف)، التي ترهقها قذائف الهاون والسيارات المفخخة، تكتظ بزحمة السير وروّاد الأسواق والمقاهي. مليون ومئتا ألف مواطن يمارسون فعل الحياة يومياً في الضاحية الدمشقية.
على الجبهة، نقاط الجيش و«الدفاع الوطني» وحزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي تنتشر بكثافة على طول الخطّ الحربي.
خطّ التماس هذا، هو في الواقع خطّ «أمان» يعزل الغوطة الشرقية ووادي بردى عن دمشق وريفها القريب، كالدويلعة وجرمانا، في مقابل المليحة وعين ترما وحرستا التي يفصلها عن حيّ جوبر الملتهب والقريب من ساحة العباسيين في قلب دمشق، طريق المتحلّق الجنوبي، وهو طريق حمص ــ دمشق الرئيسي. وعلى ما يقول عسكريون معنيون بسير المعارك، فإن الخطّ الممتدّ من مقر قيادة الدفاع الجوي السوري على أطراف المليحة (طوله 5200 متر)، إلى «حاجز جسر الكبّاس» (النقطة الأخطر في خطّ الدفاع عن شرق العاصمة)، كان من الممكن أن يشكّل الخطر الأكبر على دمشق، لولا الهجوم الاستباقي الذي قاده الجيش على المليحة قبل نحو شهرين.
حينها حشد مسلحو «الجبهة الإسلامية» و«جبهة النصرة» وكتائب أخرى قواتهم لاحتلال جرمانا وحي الدويلعة، ما يعني الوصول إلى قلب مدينة دمشق القديمة، انطلاقاً من «باب شرقي».
ما الوضع الآن؟ «تمّ قلب المشروع»، يردّ أحد ضباط الجيش السوري. «كان الهدف منع تحوّل جرمانا إلى عدرا جديدة»، في إشارة للهجوم المفاجئ الذي شنّه مسلحو المعارضة على عدرا العمالية. «حتى مسألة قذائف الهاون ستنتهي، لأن المسلحين، بعد الهجوم، يضطرون للتسلل لقصف الأحياء الآمنة، لكن قريباً جدّاً عندما يعلن الجيش انتهاء العمليات العسكرية في المليحة، ستتداعى معظم قرى الغوطة الشرقية كأحجار الدومينو»، يضيف. إذ تشكّل المليحة خط الدفاع الأساسي عن الغوطة الشرقية، ولديها خطوط إمداد من أكثر من منطقة كجسرين وزبدين وكفربطنا وسقبا وحرستا.


كان الخطّ الحربي الحالي، ما قبل الحرب، مقصداً للسهر والاستجمام

وراهنت المعارضة المسلحة سابقاً على وصل الغوطتين الشرقية بالغربية، أيّ الهجوم من المليحة إلى دير العصافير وشبعا وحتيتة التركمان وصولاً إلى بيت سحم، إضافة إلى وقوعها في المدخل الجنوبي الشرقي لدمشق وطريق المطار.
الجيش استطاع مفاجأة أعدائه بهجومه من محاور عدة، وهي محور إدارة الدفاع الجوي شمال المدينة، ومحور «حاجز النور» (المطل على معمل تاميكو)، ومن محور جنوبي من جهة بلدة شبعا المحاذية لمطار دمشق، ومحور «الفوج 81» وحاجز النسيم من شرق المدينة. ضباط الجيش السوري مطمئنون اليوم للمليحة التي لطالما تعامل معها مسلحو المعارضة على أنها «الشوكة في ظهر دمشق». يقسم هؤلاء اليوم وقتهم بين إدارة المعركة الميدانية ولقاءات مع فعاليات من قرى الغوطة الشرقية تمهيداً لاعلان مصالحات في بعضها.
فجر أمس، حاول المسلحون احداث خرق على جبهة معمل التاميكو باء بالفشل. يومياً يكتمل الطوق على هؤلاء المحصنين في كتلتين سكنيتين خلف المعمل، كما بقيَ جيب آخر خلف مسجد البلدة.

ليالي الأنس في الغوطة

في أيام ما قبل الحرب، كان الخطّ الحربي الحالي مقصداً للسهر والاستجمام، إذ تتوزّع المنتجعات السياحية والملاهي الليلية على جانبي الطريق، بالإضافة إلى عدد غير قليل من المصانع الخاصة وتلك التابعة للدولة. الحرب مرّت على كل تفصيل في هذا الشارع الطويل.
هياكل مبان «زيّنتها» السواتر الترابية. وحدها اللافتة الدعائية لـ«منتجع خمائل الغوطة» نجت من القصف والحرق. في الطابق الأخير من المنتجع، سلمت حجارة الـ«جاكوزي» والـ«سونا» من «المعارضين الأوائل» الذي نهبوا «الحيّ». يتندّر الضابط المرافق على استحالة قدرته على زيارة نوادي المليحة أيام السلم. «عرفت هذا الشارع سابقاً في الاعلانات الترويجية، واليوم أزوره والسواتر الترابية على نوافذه ومداخله».
وسط الطابق الثاني من «خمائل الغوطة» سلم أيضاً عمودان لرقص التعري... يبدو أنّ «سوريا أخرى»، مرّت من هناك. على مقربة ممّا بقي من المنتجع، لا يزال معمل السكاكر يعمل على نحو طبيعي. 300 عامل وعاملة يعيلون أسرهم على بعد أمتار عن خطوط النار. صاحب المعمل من القلّة الذين لم يغادروا المليحة وجوارها.
فوق سطح إحدى نقاط الجيش المشرفة، يفرد ضابط الجيش ذراعيه شارحاً سير المعارك: على اليمين تبدو مباني المليحة المرتفعة، وآثار القصف عليها. يساراً، تظهر المباني القريبة من عين ترما، وبين الكتلتين السكنيتين، تقبع غابات الصفصاف والكينا والأشجار الطويلة العائمة فوق ضفتي بردى.
«هيدا الخَضار، ربّك وحدو بيعرف شو في خلفه»، يقول الضابط. وعلى هذه القاعدة، يتمّ رصد الجبهة كلّ دقيقة في الليل والنهار، عبر كلّ الوسائل الممكنة، من الكاميرات إلى المناظير الليلية، إلى كشّافات الحركة.
لا ينكر ضابط الجيش المتمرّس أن معركة المليحة من أقسى المعارك التي تخاض على أرض سوريا. في هذه الضّفة، خيرة مقاتلي الجيش السوري وحزب الله يواجهون في الضّفة المقابلة نخبة المقاتلين الإسلاميين. «المسلحون الباقون هم الأشرس، يريدون القتال حتى الموت»، يضيف الضابط.