تُواصل الأزمة المالية التي تعصف بـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) تأثيرها على حياة اللاجئين الفلسطينيين وظروفهم، بعدما تمّ الدفع إليها دفعاً، من قِبَل الدول الكبرى في الأمم المتحدة، لتكون أداة ابتزاز تمارَس عبرها الضغوط السياسية على الفلسطينيين. وتعاني الوكالة من عجز مالي كبير يزيد عن 55% من إجمالي موازنات الطوارئ، التي تُقدّر بـ713 مليون دولار، كما تواجه ميزانيّتها الاعتيادية عجزاً مالياً يُقدّر بـ100 مليون دولار، بحسب ما تفيد به دائرة شؤون اللاجئين في «منظّمة التحرير الفلسطينية»، لافتةً إلى أن هذه الضائقة، إلى جانب جائحة «كورونا» وعوامل أخرى، أدّت إلى تدهور أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيّمات. وفي مطلع عام 2021، ناشدت «الأونروا»، «المجتمع الدولي»، تأمين 1,5 مليار دولار لتمويل خدماتها الأساسية ونداءات الطوارئ والمشاريع ذات الأولوية، وهي المناشدة ذاتها التي تكرّرت حوالى 15 مرة خلال العقد الأخير، على رغم تأكيدات المتحدّث باسم الوكالة، سامي مشعشع، أن الأخيرة تريد الخروج من أزمة الاعتماد على التبرّعات السنوية غير الثابتة، والبحث عن حلول أخرى.

وتتّهم فصائل فلسطينية «الأونروا» بالتماهي مع الرغبة الإسرائيلية والأميركية في إنهاء قضية اللاجئين التي تُعدّ الشاهد الرئيس على النكبة الفلسطينية عام 1948، تحت ذريعة الأزمة المالية ونقص التمويل. وفي هذا الإطار، يعتبر رئيس دائرة شؤون اللاجئين في حركة «حماس»، محمد المدهون، في حديث إلى «الأخبار»، أن الأزمة المالية لـ«الأونروا»، «مفتعلة من الأساس»، مضيفاً أنه «كان ينبغي توفير ميزانيّتها السنوية والإنفاق عليها من الأمم المتحدة مباشرة، أسوة ببقية المؤسّسات الأممية، وليس رهنها بالتبرّعات المالية غير الإلزامية من الدول الأعضاء». ويرى المدهون أن المساعدات الأميركية والأوروبية للوكالة جعلت منها «رهينة للابتزاز» أمام اشتراطاتهم، ورؤيتهم، وطريقة تعاطيهم مع القضية الفلسطينية، مستشهداً بما فعله الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، عندما أوقف بشكل كامل تمويل بلاده لـ«الأونروا»، وأدخلها في أزمة مالية كبيرة. ومن هذا المنطلق، أعاد المدهون التشديد على ضرورة أن يصبح تمويل الوكالة مباشراً من الأمم المتحدة، وليس عبر التبرّعات الاختيارية، عادّاً الالتزام بتمويلها مسؤولية قانونية وأخلاقية، على اعتبار أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لم يستطيعوا تطبيق القرار الأممي رقم 194، والقاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هُجّروا منها. ويقول: «إذا طبّقوا ذلك القرار فليحلّوا الأونروا، وحينها سيقوم الفلسطينيون بتقديم مساهمات مالية للأمم المتحدة لمساعدتها في إغاثة اللاجئين حول العالم».

تتّهم فصائل فلسطينية الوكالة بالتماهي مع الرغبة الإسرائيلية والأميركية في إنهاء قضية اللاجئين

كذلك، يعتبر رئيس دائرة شؤون اللاجئين في «حماس» الوكالة رهينة أيضاً لقضية «تجديد التفويض» من قِبَل الأمم المتحدة لثلاث سنوات فقط، إذ سيتكرّر «مشهد الابتزاز» في عام 2022. ومن هنا، يطالب بأن يكون التفويض قائماً «طالما لم تُحلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين». أمّا بخصوص اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة و«الأونروا»، فيعدّه بمثابة «تصفية متدرّجة» للوكالة، وليس على طريقة ترامب الذي أراد تصفيتها بـ«الضربة القاضية»، مشيراً إلى أن الاتفاق يتيح لواشنطن التفرّد بـ«الأونروا»، وجعلها رهينة الابتزاز على المستوى المعلوماتي والأمني والسياسي، كما يسمح لها بالتدخّل في كلّ تفاصيل عمليّاتها، وصولاً إلى إنهائها باعتبارها الشاهد الحيّ على قضية اللاجئين الفلسطينيين المتواصلة منذ 73 عاماً.
بدوره، يرى عضو اللجنة التنفيذية في «منظمة التحرير الفلسطينية» تيسير خالد، في تصريح إلى «الأخبار»، أن الأزمة المالية لـ«الأونروا» أصبحت سياسة معتمدة من عدد من الأطراف الدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة، بهدف التأثير في عمل الوكالة، وتوجيهه وتقليصه، وصولاً إلى حلّها وإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، مطالباً بالكفّ عن استخدام تلك الأزمة كأداة ابتزاز للفلسطينيين. ويشدّد خالد على ضرورة إدراك الدول العربية لهذا المخطّط الذي «تمّت صياغته وفق المنظور الإسرائيلي - الأميركي، بهدف تصفية قضية اللاجئين التي تعدّ جوهر القضية الفلسطينية، والعمل على منع تمرير هذا المشروع المعادي للشعوب العربية»، داعياً إلى أن «تتحمّل الدول العربية، وخصوصاً الخليجية، مسؤولية تمويل الأونروا وإبقائها شاهدة على القضية الفلسطينية»، مضيفاً أن «اللاجئ الفلسطيني يهمّه أن تبقى الوكالة باعتبارها مؤسّسة دولية شاهدة على الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل بحقّه في نكبة عام 1949».