في وقت يلفّ فيه الغموض مصير القوات الأميركية في سوريا بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، شنّت طائرة مسيّرة أميركية غارة استهدفت سيارة تابعة لتنظيم «حراس الدين» المرتبط بتنظيم «القاعدة» في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، هي الأولى من نوعها بعد تسلّم الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة خلَفاً لدونالد ترامب. الغارة التي أدّت إلى تدمير سيّارة على الطريق الواصل بين مدينتَي إدلب وبنش في ريف إدلب الشرقي، عُثر بداخلها على جثّة متفحّمة، أعلن «البنتاغون» مسؤوليته عنها، مشيراً إلى أن «الضربة الجوية استهدفت مسؤولاً كبيراً في تنظيم القاعدة»، من دون تقديم تفاصيل أخرى، فيما ذكرت وسائل إعلام «جهادية»، بينها الشبكة التي يديرها الصحافي الأميركي داريل فيلبس المعروف باسم بلال عبد الكريم، أن الغارة طالت المسؤول الشرعي في التنظيم أبو البراء التونسي، والقائد العسكري أبو حمزة اليمني، وهو ما ذهبت إليه مجموعة «سايت» الاستخباراتية المختصّة بمراقبة «الجهاديين».وتتزامن الغارة مع تحرّكات أميركية جديدة في سوريا، بينها لقاء أجراه النائب الأول المساعد لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى جوي هود مع مسؤولين من «قوات سوريا الديمقراطية»، بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، لـ«إزالة الشكوك حول نية واشنطن الانسحاب من سوريا في الوقت الحالي»، وهو ما تتخوّف منه «قسد» التي تخشى أن تجد نفسها في مواجهة غير متوازنة مع أنقرة، في ظلّ التصعيد المتواصل الذي تشهده خطوط التماس بين مواقع انتشار القوات الكردية والفصائل السورية التابعة لتركيا في شمال شرقي سوريا. وتحدثت مصادر كردية عن أن الإدارة الأميركية أكدت خلال اللقاء أنها مستمرّة في تقديم الدعم، في الوقت الحالي لـ«قسد»، وفي «سياستها في محاربة الإرهاب في سوريا». كذلك، تتزامن هذه الغارة مع التحرّكات العسكرية الجديدة التي تشهدها خطوط التماس بين مواقع سيطرة الجيش السوري ومواقع انتشار «هيئة تحرير الشام» في منطقة جبل الزاوية، التي يمرّ عبرها طريق حلب – اللاذقية، والذي تعهّدت تركيا مراراً بأن تقوم بإزاحة الفصائل المسلّحة من جهته الجنوبية، لإعادة فتحه، ولم تنفّذ هذا التعهّد حتى الآن، ما دفع موسكو إلى رفع حدّة تصريحاتها تجاه أنقرة، واتهامها بعدم الإيفاء بتعهّداتها.
على أن اللافت في الغارة الأميركية الجديدة، والتي تأتي بعد نحو عامين من توقّف استهداف واشنطن لقياديين من «القاعدة» في إدلب، استمرار الجيش الأميركي في الاستراتيجية نفسها التي اتّبعها خلال فترة حكم ترامب، عن طريق تنفيذ عمليات استهداف تطال قياديين في «القاعدة» وتستثني «هيئة تحرير الشام»، التي تسعى أنقرة إلى تسويقها على أنها جماعة معتدلة، بعد أن أعلن زعيمها أبو محمد الجولاني فكّ ارتباطه بـ«القاعدة» قبل نحو خمس سنوات. وتشنّ «هيئة تحرير الشام» هجمات متتالية ضدّ الفصائل التي تنازعها السيطرة على إدلب، ومن بينها تنظيم «حراس الدين» الذي أُعلن عن تشكيله قبل ثلاثة أعوام، حيث بايع تنظيم «القاعدة». ويبدو أن واشنطن أرادت من خلال تنفيذ هذا الاستهداف توجيه مجموعة من الرسائل العسكرية والسياسية إلى جهات عدّة، بينها «قسد» التي تنتظر تطمينات أكبر، وأنقرة وموسكو ودمشق، تذكّر بالحضور الأميركي، والنشاط الاستخباراتي الذي يصل إلى أقصى الشمال الغربي من سوريا، بالإضافة إلى تسويق ربط الوجود العسكري الأميركي في سوريا بوجود «الإرهاب»، والعمل على محاربته.