خرجت البحرين من الإطار الاستعماري البريطاني في العصر الحديث، وتحديداً في 15 آب من عام 1971، وفق السردية التي تحكيها الوثائق المتاحة. كان يفترض أن يشكّل ذلك انفكاكاً عن طوق الاستخدام والهيمنة الطويل الذي فرضه البريطانيون، ولا سيما مع بلوغ المجتمع المحلي مستوى عالياً من التحصيل التعليمي، بما يعنيه ذلك من تهيّؤ شعبي ذاتي لتولّي مهامّ بناء الدولة المستقلة.

بين عام 1971، حيث تأريخ الاستقلال المحاط بالجدل، وعام 2002، تاريخ إعلان الملكية الاستبدادية في البحرين، تفنّن البريطانيون في تجريب أدوات إعادة التموضع وتكريره، بلا سقوف أو محرّمات، وبما يُبقيهم القوّة التي تمسك بكلّ أوراق اللعبة، على رغم انزياح التاج البريطاني ودرّاته، وتآكل حدود الإمبراطورية العظمى لمصلحة الأميركيين تارة، والتجاذبات الإقليمية تارة أخرى. لم يكن تجدُّد السطوع البريطاني في البحرين، مأموناً من العقوق والعقبات، إلّا أن المخزون المتراكم أسعف الإنكليز على التستّر والابتكار، وكانوا ناجحين في حدود كبيرة، على نحو ما تُصوّره مناورة الانسحاب من الخليج، في نهاية الستينيات، تماشياً مع المصالح البريطانية الداخلية، وتحت ظلال الاتفاقات السرية، وعلى إيقاع «النوستالجيا» الاستعمارية التي عبّرت عنها العودة البريطانية إلى الخليج، بعد أربعين عاماً، على طبق القاعدة البحرية البريطانية «إتش إم إس» في البحرين، التي تمّ الاتفاق عليها عام 2014، وأُسدل الستار عنها بعد نحو ثلاثة أعوام. لم تتوقّف حجارة المحرق والمنامة عن الانهمار على البريطانيين، وهم أدركوا منذ زمن أن الشعب البحريني لا يمكن فكّ الحصار عنه، إلّا بحدود ما يعزّز احتياجات الكولوناليات المعاصرة، ولذلك لم يكفّ الاستعمار البريطاني، منذ زمن، عن إعاقة البحرينيين، وإشغالهم في الهوامش أو في الخواتم غير المنجزة، واستدراجهم نحو الإحالة المرجعية على محطّات الصراع، وعلى مناسبات تجرفهم جرفاً في منحدر الانقطاع عن خبرة الزمن، والتقطيع الداخلي. فعل المستعمر البريطانيّ ذلك كله، مراراً وتكراراً، عبر برامج متنوعة في التفكيك والتشطير، وإخفاء رموز النضال الوطني، مع ترفيع مبرمج لمثيري الفتن والشواغل المجندة.

مهارات الإنكليز واجتهادات البحرينيين
كان يمكن أن يجري ذلك بإتقان دموي يشبه إبادة الهنود الحمر، لولا عادة النهوض المتكرّر والإزعاج حتى الرمق الأخير، والتي داوم عليها شعب البحرين ونخبه الدينية والوطنية. ثمّة إعلام ومجتمع مدني في الغرب يراوحان خارج منظومة السيطرة، وهناك أعضاء برلمان يشغلهم ضميرهم قبل الخلود إلى النوم أو احتساء الشاي السيلاني. في هذه التربة، يكافح بحرينيون على أرض بريطانيا، ابتداء من الرعيل الأول الذي افتتحه سعيد الشهابي، عام 1971، وصولاً إلى جهود واجتهادات الجيل الجديد، على طريقة أحمد الوداعي في ولوج دهاليز «المملكة العظمى»، أو على طريقة موسى عبد علي وعلي مشيمع في احتلال مباني السفارات وافتراش الشوارع. ولكن، وعدا عقيدة الالتحاق ببريطانيا – التي تتنافس فيها مشيخات الخليج، على رغم تفوّق آل خليفة - فقد استثمر الإنكليز كل الفرص، واعتبروا كل شيء - مهما بلغ في التعقيد أو التحلُّل - بمثابة مواد خام قابلة لإعادة التسييل والتدوير، وضبْط المصنع إذا اقتضى الأمر. يفسّر ذلك، في العمق، جانباً من نجاحات الإنكليز في الدخول والخروج، بفضل وفرة الحيل الذكية في تنفيذ تكتيكات الشدّ والجذب. يتلخّص شيء من ذلك في بناء العلاقات وفكّها، مع الأنظمة والمعارضات على حدّ سواء، وقد تميّز البريطانيون في أذكى توظيف لهذه المهارات في الخليج، على النحو النموذجي الذي حصل مع العصب العُماني في ثورة ظفار، بعد توليف مخرج بريطاني آمن من تلك الأحداث، يجمع بين حيلة التخلّص من تركة ثقيلة تجاوزت صلاحيتها، وإبرام صكوك مستحدثة لتمرير الاستقواء الاستعماري عبر واجهة محلية مضمونة الولاء. فلماذا لا يسأم البريطانيون عن إشعارنا بأنهم على ما يرام، وأن مستعمراتهم، ما ظهر منها وما بطن، لن تغمرها ما وراء البحار وحيتانها؟

قدّمت الخبرة البريطانية لنظام البحرين معالجات وتدريبات عديدةً لتحسين أوضاع السجون


ولي العهد البحريني والمشاكلة الأميركية
عندما حلّ وليّ العهد البحريني، سلمان بن حمد آل خليفة، في لندن، في شهر حزيران الماضي، كانت «كورونا»، وليس الضّباب، تُخفي أموراً ما وراء الزيارة. يطير سلمان بن حمد على جناحَين عريضَين، بعدما مكّنته رئاسة الحكومة، إلى جانب ولاية العهد، من ملفّات السياسة والاقتصاد، أي الداخل والخارج، ما يعني أنه بات مؤهلاً لشقّ الطرق وترميم النفوس والخروج على لعبة «الأجنحة المتصارعة» في بيت الحكم، على أمل تهيئة أفضل الأجواء للحظة التتويج المرتقب على العرش. والبريطانيون، وليس غيرهم، معنيون بترتيب مقدّمات هذه المراسيم ونتائجها، وفق تعاليم الضابط الاستعماري جون ييتس، وخبرات «سكوتلاند يارد»، ومرجعيات «سانت هيرست». إلّا أن رئيس الحكومة البريطانية، بوريس جونسون، لم يكن يهزّه أن يوصَف بأنه «بلا أخلاق» بسبب لقاء سلمان بن حمد، لأن اللورد بو سكريفن وأمثاله يعرفون أن حكومة بلادهم معنية، أولاً وأخيراً، بالصفقات التجارية واستملاك الشيوخ، ولا يشغلها حقوق الإنسان ولا الرطانة في الالتزامات، إلّا بما له صلة باتفاقات الحماية وتسيير الانتدابات. ولكن المتغيّر الطارئ، هو أن ذلك لا يتباعد عن مسار التداخل الأميركي، في عهد جو بايدن، الذي لا يُخفي الرغبة في استعمال أدوات ضبط جديدة في منطقة الخليج، وتعويماً لخطاب باراك أوباما على منصة الأمم المتحدة في أيلول 2013، ولكن باندفاع أقلّ. إلّا أن مرحلة ما بعد جمال خاشقجي تتطلّب شكلاً آخر في المشاكلة الأميركية التي لا تستثني البريطانيين، حيث المنازعة هنا ليست على قائمة عريقة من الميراث البريطاني المثقل بالانتهاكات وحماية الطغاة، وإنما على تفريج الساحات المحاطة والمحاصرة بالرياض، وبما يريح الديمقراطيين في البيت الأبيض، ولا يفجّر حماقات أخرى من السعودية. يبدو، في هذا المصبّ، ملف البحرين منزوياً في ملاحق أجندة التفاوض، ولكنه غير غائب عن الطاولات التي يتداول فيها كبار الإقليميين الخرائط المقبلة وسيناريوات الحلول الممكنة. فماذا سيفعل البريطانيون؟

إخلاء السّجون وإبقاء الاستبداد
يعرف الإنكليز أن السجون يمكن أن تكون بوابة الحلول، ولكن بالنسبة إلى البحرين، لا يجب أن يكون الأمر على منوال إيرلندا أو جنوب أفريقيا. قدّمت الخبرة البريطانية لنظام البحرين معالجات وتدريبات عديدةً لتحسين أوضاع السجون، وأفلح ذلك في تحقيق أكثر من هدفٍ مزدوج، بما في ذلك تخفيف وطأة الانتقادات، والمباعدة بين المعارضين، واختطاف أجزاء غير قليلة من الشارع المحلي. إلّا أن الرؤية البريطانية للحلّ في البحرين لا تتجاوز جدران السجون، إلّا في نطاق محدود، وبما لا يؤثّر على بنية الحكم المطلق في البلاد. وفي حين أن الإفراجات وفق قانون العقوبات البديلة، وبرامج أخرى، يمكن أن توفّر إراحة جانبية مؤقتة؛ فإن الأميركيين يسعون إلى توسيع الدائرة قليلاً، ليس في اتجاه الفرج الكبير، وإنّما الانفراج الذي يتلاءم مع مستلزمات التفاوض على الملفات الأخرى في المنطقة، وهو ما قد يعني إخلاء السجون، والإبقاء على الاستبداد المقنّن. ما يجتهد فيه البريطانيون، وفق التناصح الأميركي، هو في هذه الدائرة تحديداً، وعلى مسافة غير بعيدة من «شائعة» الوفود البحرينية، الأمنية وغير الأمنية، التي تروح وتجيء على طهران. من تلك الدائرة ونظائرها، ينبغي التأمّل كثيراً في البيانات الأخيرة لآية الله، الشيخ عيسى قاسم، في شأن الحقّ السياسي والحلّ الدستوري، وإطالة النظر أكثر في المآلات المفتوحة للعصيان داخل سجون البحرين، وما إذا كان سيُفضي ذلك إلى «سجون مفتوحة» على هوى البريطانيين، أم إلى شيء آخر يشبه ما جرى بعد أحداث السجن في عام 2010 ومهّد لانطلاق أكبر ثورة في تاريخ البحرين.