في أعقاب كل عملية تحرير أسرى من السجون الإسرائيلية ضمن سياق التبادل مع أحد فصائل المقاومة في لبنان أو فلسطين، كان السجال يحتدم في الساحتين السياسية والإعلامية حول ضرورة أن تكون المرة الأخيرة التي يرضخ فيها الإسرائيليون ويوافقون على تحرير مقاومين مقابل جندي إسرائيلي أو أكثر.

يبقى مفعول هذا الجو سائدا إلى حين الاختبار المقبل الذي تجد فيه القيادة الإسرائيلية نفسها أمام خيار من اثنين: إما الموافقة على صفقة تبادل أسرى، وإما تحوّل الأسرى الجنود إلى مفقودين، وهو الأمر الذي كان يدفعها في النهاية إلى التسليم بالأمر الواقع وابتلاع كل التعهدات والشعارات التي كانت تطلق في المراحل السابقة، ثم الدخول في مفاوضات تؤدي إلى تحرير أسرى فلسطينيين وعرب من السجون الإسرائيلية.
هذا التنازل يأتي عادة بموازاة ضغط عائلات الجنود الأسرى التي تحظى بدورها بتأييد شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي، وكذلك كان السيناريو يتكرر كل مرة.

أي تراجع
لاحق للقيادة
له وقع أشد على
الداخل الإسرائيلي

أما في الآونة الأخيرة، فوجدت القيادة السياسية الإسرائيلية نفسها مضطرة إلى الموافقة على تحرير عشرات الأسرى الفلسطينيين منذ ما قبل اتفاق أوسلو في خطوة بديلة عن الموافقة على تجميد الاستيطان، وذلك من أجل توفير شروط استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية التي أصرت على مطلبها، لكن المزايدات بين أحزاب اليمين واكبت مراحل تحرير دفعات الأسرى السابقة التي توالت بموازاة جولات التفاوض بين تل أبيب ورام الله.
بعدما أخفق المفاوضون في تحقيق نتائج فعلية ثم أعلنوا توقف المفاوضات وتعرقل خروج دفعة رابعة من الأسرى كان قد اتفق عليها، تمخضت العقلية الإسرائيلية وأنتجت إعلان طرح مشروع قانون يهدف إلى قطع الطريق على تحرير أسرى في السجون الإسرائيلية محكومين بالمؤبد. لا شك في أن مسار سن قانون بهذا المضمون في حال استكمل طريقه سيضع المزيد من العراقيل أمام اتمام القيادة السياسية في إسرائيل صفقات لاحقة تتضمن تحرير أسرى محكوم عليهم بالمؤبد، لكن المؤكد أيضا أن هذه القيادة عندما تجد نفسها في مواجهة عمليات أسر إضافية أمام الخيارات التي واجهتها في استحقاقات سابقة، سيكون عليها اختيار أحد مسارين: إما الموافقة على انضمام الجنود الأسرى إلى لائحة المفقودين، أو إعادة تعديل القانون الذي يحول دون إتمام صفقات التبادل.
في هذه الحال، سيكون لأي تراجع للقيادة في تل أبيب وقع أشد على الداخل الإسرائيلي، والأمر نفسه ينسحب على الحالات التي قد تواجه فيها إسرائيل ضغوطا دولية لاستئناف مفاوضات يواكبها أو يعقبها تحرير أسرى فلسطينيين ممن ينطبق عليهم القانون المفترض. يشار إلى أن سن مثل هذا القانون يهدف ضمن إطار آخر إلى محاولة إدخال اليأس في صفوف حركات المقاومة، وفي المحصلة الرهان على إمكانية التأثير على دافعها نحو تنفيذ عمليات أسر لجنود إسرائيليين، وهو أمر قد يكون حاضرا في مخيلة القادة الإسرائيليين لكنه لن يؤثر بالضرورة على حافزية المقاومة لمواصلة محاولاتها.
ورغم أن توقيت وسياق طرح هذا المشروع يندرجان ضمن التنافس داخل معسكر اليمين بغض النظر عما إذا كانت موافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عليه ابتدائية أم اضطرارية، فإن اللجنة الوزارية لشؤون التشريع أقرت مشروع قانون يرمي إلى إعطاء المحاكم صلاحية اتخاذ قرار مفاده أنه لا يجوز لرئيس الدولة منح العفو لشخص حكم عليه بالسجن المؤبد أو حتى تقصير مدة محكوميته.
ولولا موافقة نتنياهو وتعليماته إلى وزراء الليكود، ما كان للمشروع أن يمر داخل اللجنة، فهو حظي بتأييد سبعة وزراء وعارضه ثلاثة هم : يعقوب بيري وياعيل غيرمان وتسيبي ليفني.
ومما جاء في حيثيات مشروع القانون أن الهدف منه «الحيلولة دون الإفراج عن معتقلين قتلة في نطاق مبادرات سياسية أو صفقات تبادل أسرى». ويأتي تصويت اللجنة الوزارية للتشريع ضمن خطوة أولى تقدم لعرضه على الكنيست، وهناك تحتاج المصادقة عليه ثلاث قراءات أمام الهيئة العامة قبل أن يتحول إلى قانون.
في موازاة ذلك، أكد رئيس البيت اليهودي ووزير الاقتصاد نفتالي بينيت أن مشروع القانون الخاص بتخويل المحاكم صلاحية منع رئيس الدولة العفو عن مدانين بعمليات قتل «يستهدف وقف سياسة الإفراج عن مخربين تتبعها حكومات لا تستطيع مواجهة الضغوط التي تمارس عليها»، وفق وصفه.
في المقابل، رأت ليفني أن هذا القانون محاولة من «حزب بينت» للتعويض عن موافقته في مرحلة التفاهمات الأولى التي سبقت إطلاق مفاوضات الشهور التسعة (أيلول الماضي) على تحرير أسرى بدلا من وقف الاستيطان. وأكدت ليفني من موقعها في رئاسة الوفد الإسرائيلي المفاوض أن هذا القانون من شأنه تقليص مساحة المناورة المتاحة للحكومة لاحقا.
فلسطينيا، يُنظر إلى هذه القضية على أنها رفض لأي فرصة لاحقة للسلام، فالأسرى لدى السلطة والقاعدة الشعبية قضية وطنية تمس الشعور الإنساني لأهاليهم ولا سيما ممن قضوا عشرات السنين في الأسر.
في هذا السياق، قالت حركة فتح (الأخبار) إن مصادقة حكومة نتنياهو على مشروع قانون يمنع الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين رفض صريح لعملية السلام وتحدّ للمجتمع الدولي وقوانينه.
وقال المتحدث باسم الحركة أسامة القواسمي في بيان أمس: «بات مؤكدا أن إسرائيل تتبنى كل ما من شأنه تدمير أسس السلام، وما تبني نتنياهو مشروع قرار الأسرى إلا برهاناً على العقلية المدمرة الحاكمة في تل أبيب». وأضاف القواسمي: «كل قوانين الاحتلال القديمة والجديدة لن تغير حقيقة أن الأسرى الفلسطينيين هم أسرى حرب تنطبق عليهم الاتفاقات الدولية»، متابعا: «إسرائيل تخرب بهذا القرار خيار الدولتين خاصة أنها تعلم أن القيادة الفلسطينية لن توافق على حل نهائي من دون تحرير الأسرى جميعا».