لا يحبوننا؟!

كم أشعر بالخجل لهذا الاكتشاف المتأخر، وقد جاء بعد ستة وستين عاماً فقط! وها أنا اليوم قد بلغت اليقين بأنهم يحبوننا شعاراً، ويحبوننا صورة، ويحبوننا قصيدة وأغنية وشالاً يتدلى حول أعناقهم بعلم فلسطين... هم يحبوننا موتى أيضاً... لكنهم لا يحبوننا أحياءً.
ولكن، لماذا يكرهونا؟!

كم يبدو السؤال قاسياً! كان السؤال نفسه قد سأله الأميركيون للعالم، إثر هجمات 11 أيلول الشهيرة، يسألونه وهم يعرفون أن في رقبة بلادهم دماء ملايين البشر في العالم، فأي دم في رقبة الفلسطيني ليكرهونا؟!
لا يحبوننا
اكتشاف أدركه في الثامنة والثلاثين من عمري، على مرمى مسافة قهر تمتد سبعة عشر شهراً من نكبة مخيم اليرموك/نكبتي... على بعد ستة وستين عاماً من نكبة فلسطين.
لا يحبوننا... ذلك اكتشاف من شأنه أن يجعلنا نعيد ترتيب الأشياء، فأنا منذ أدركته لم تعد نكبة أيار تعني لي أكثر من تاريخ انفصال العالم عن إنسانيتي، وقد جعلوني شيئاً، وما كنت يوماً بينهم إلا كل شيء؟!
هم يكرهونني... وما جنيت على أحد أنا الفلسطيني، لكنهم غاروا من أخوة يوسف ومن الذئب وما أرادوا لي البئر كوة نجاة، ينقذني منه أحد. وما أردوا أن يمنحوا الذئب شرف قتلي حتى لو كان كذباً، فاختاروا قتلي بالممنوع:
ممنوع أنت الفلسطيني من البقاء. ممنوع أنت الفلسطيني من الرحيل. ممنوع أنت من الحياة. ممنوع أنت من الموت. ممنوع من الحب، ممنوع من الكره، ممنوع من الكلام، ممنوع من الصمت، ممنوع من الحلم... ممنوع من كل ما يذكرك بأنك إنسان!
ممنوع أنا الفلسطيني من الممنوع. ممنوع أنا حتى من المسموح؟!
اليوم لا تكاد صور السيد المسيح الذي تظهره مصلوباً تفارق عينيّ. أتأملها، أتخيلها، أعيد رسمها في ذاكرتي أو على الورق أمامي. وفي كل مرة أستعيدها، فأعيشها، وأتألمها، وأنا أقرأ أخبار فلسطينيي الشتات: لاجئون هم.. منفيون هم.. معتقلون هم... ممنوعون هم... شهداء وقتلى وغرقى هم...
آه يا ابن أمي الفلسطيني كم تبدو مخلصاً لأوجاع جدك المسيح! كم ورثت منها! وكم كنت أميناً عليها! وكم كانوا أخوتك/ أعداؤك حراساً أمناء على نصب الصليب لك... يصلبونك ليرثوك ويتاجروا بآلامك أنت، وأنت المنسي حتى قيامة جدك المسيح... فلا تحزن.
لا أحب أيار، ولكني ما عدت أكرهه. قد كان تاريخ نكبة فلسطين فكرهته، وحين صارت النكبات واقع الحال اليومي للفلسطيني، عدلت عن كرهي له، ربما لأنه بات تاريخ النكبة الوحيدة التي يعترف بها العالم للفلسطيني وسط نكباته اليومية، وربما لأنه بات تاريخاً لسقوط الأقنعة؛ أقنعة من يدعي حبي. أقنعة من يدعي أبوة قضيتي. وأقنعة من جعل فلسطين صليباً لشعبي.
لا أحب أيار، ولكني ما عدت أكرهه، وقد صار أحنّ شهور السنة عليّ. أرادوه لنا قبراً، فصار للفلسطيني عنوان حياة... ومنذ اليوم محظوظ فينا، من يولد في الخامس عشر من أيار، ففي ميلاده إعلان حياة تصر على شق دروبها رغم الموت... رغم الكره.
محظوظ فينا من صرخ أول مرة في الخامس عشر من أيار، ففي صرخته إعلان رفض لمن أراد موتنا في اليوم ذاته منذ عام 1948 حتى اليوم.
محظوظ فينا من يولد في الخامس عشر من أيار يشعل شمع سنته الجديدة فيضيء ظلام قلوبهم، ويطفئونها، رغم أنوفهم، إيذاناً بخطوة جديدة له على درب الحياة.
لا أحب أيار، ولكني ما عدت أكرهه، فـ«ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء»، أيار منحني لقب لاجئ مرة واحدة فكرهته، لكن من منح اللقب لي، كان أحنّ علي ممن يحاسبني كل يوم على لجوئي.
أيار مجرد شاهد على قتلي، على جريمة العصر، صودف وجوده يوم القتل، فاتهموه بدمي، والشاهد على القتل ليس بقاتل. شهر مايو/أيار اليوم، لم يعد الوحيد الذي صودف وجوده يوم قتلي... فقد انضم إليه أخوته الشهور الأحد عشر كوكبا، شهوداً، يوم انضم أخوتي إلى قاتلي في قتلي.
ما عاد أيار من كل عام تاريخ النكبة، صار العام كله في كل عام تاريخاً لنكبتنا. وقد اكتشفنا أننا ظلمنا شهر النكبة، وأن شهر أيار هو الأكثر حناناً، ربما لأنه التاريخ الوحيد الذي يعترف به العالم بقتلنا. وربما لأنه التاريخ الوحيد الذي لم نقتل فيه على أيدي أخوتنا.
ماهر منصور