غزة | يمتلك الفتى صاحب القامة القصيرة من الصوت ما يشبه، كما يقول، صوت محمد عساف، الفلسطيني الفائز ببرنامج المواهب (آراب آيدول) بنسخة عام 2013، إلا أن الفقر لم يفسح له طريقا نحو الارتقاء بموهبته.

هكذا، يغدو الفتى القاطن حي الزيتون جنوب مدينة غزة، كل صباح متوجها الى مدرسته مشيا على قدميه المتقرحتين جراء عيب خلقي رافقه منذ الولادة، حيث ان اطرافه الأربعة مشروخة، ويفتقد بعض الأصابع في اليدين والقدمين.
يعلق الطفل النحيف على كتفيه حقيبة مثقلة بالكتب، غير انه ما يلبث أن يعود مع ساعات الظهر إلى المنزل، يتناول غداءه ومن ثم يحمل حقيبة أخرى تعج بصناديق الدخان والشيبس، ويجوب بدراجته الهوائية الشوارع، لعله يساعد في دخل الأسرة، المكونة من اكثر من عشرة افراد، وتعتمد على المعونات الإغاثية.

هناك على ما يعرف بـ«كورنيش غزة»، حيث تطل المدينة على المتوسط، يركن عليٌ دراجته ويستظل شمسية اقامتها شركة الاتصالات الخلوية «جوال» كتب عليها بـ«البنط» العريض «لا للمستحيل»! يرقب المارة عسى أن يظفر بزبون عابر أو مصطاف جاء برفقة عائلته ليستمتعوا بما بقي من اشعة شمس الشتاء الفاترة.
بعد أن تغرق المدينة في العتمة بفعل انقطاع الكهرباء، يطرق الطفل أبواب المقاهي المطلة على البحر. هنا يجد لصوته مساحة للتعبير عن موهبته الفنية، ولا سيما انه لا يتردد في منح زبائنه مواويل مديح وثناء، وأحيانا ينشد للحرية والأمل، وفي أوقات أخرى يصدح بأغنية «علي الكوفية»، الأغنية الشهيرة التي عرف بها «محبوب العرب» ابن مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة. إذا لم يتسنّ للفتى أن يبيع شيئا من السلع التي يحملها في حقيبته، يرافقه النادل أبو حسن، إلى طاولات المقتدرين من الزبائن، يغني لهم مقابل قدر بسيط من المال.

يعلق الطفل
النحيف على كتفيه حقيبة مثقلة بالكتب

يقول علي بصوت متحشرج «بعض المقتدرين من زبائن المقاهي، يطلبون مني أن اغني لهم مواويل، ويعطوني ما بين 5-10 شيكلات (دولارين او ثلاثة دولارات). يحلم الفتى بأن يصبح كالفنان «عساف»، ويقول «لا اقصد الشهرة، لكنني ابحث عن تطوير ذاتي وموهبتي»، وهو ما عبرت عنه والدته أيضا، التي تغطي وجهها بنقاب اسود.
تشير الوالدة الأربعينية إلى أن اكبر غاياتها حصول ابنها على القدر الكافي من المال ليتمكن من اجراء عمليات جراحية لكل من يديه وقدميه حتى يسد الفجوة القائمة بين الاصابع، لافتة إلى اعتماد طفلها على الأدوية التي يحصل عليها من أحد المراكز الطبية بالمجان لعلاج التقرحات التي تصيب اطرافه.
الحياة في عين الفتى حسان، وهو الابن الثالث في أسرته، سفينة ترافقه نحو المجهول، لكنه يتمنى ان يمن عليه القدر بمستقبل مزهر، وأن تتبدل حاله الى الأفضل، فيقول وحمرة الخجل تلف وجنتيه «نفسي اصير فنان معروف».
يعود الصغير الى أحضان أسرته كل ليلة مثقلا بالتعب، كأن حبلا قد عقد قدميه المنهكتين جراء قيادة الدراجة لساعات طوال. حينها يخرج علي غلته ويلقي بها في حضن والدته التي فقدت زوجها قبل نحو عشر سنوات، حين كان علي في الخامسة من عمره.
يمضي الفتى نحو الفراش لعله يحظى بنومة هادئة خالية من رائحة الدخان وعوادم السيارات التي تزكم انفه طيلة النهار، فيلقي بجسده النحيف على الأرض، ويغط في سبات عميق يحلم فيه بالصعود الى مسرح الغناء والناس حوله يصفقون، غير ان جرس المنبه الصباحي يقطع عليه كل يوم مواصلة الحلم.