بالأمس زرت فلسطين، وطني الذي لطالما حلمت بالعودة إليه، الوطن البعيد عن العين، القريب من القلب، المحاصر من كل الاتجاهات، المحتل من مختلف الجنسيات التي كونت بلداً أطلقوا عليه اسم «إسرائيل».

زرت وطني بعد أن تنازلت المسافات لأجل أمنياتي. زرت بلادي بعد طول انقطاع وغياب، زرتها بعد أن كنت أعيش على صورها وذكريات أجدادي، ولم أُفاجأ بتفاصيلها، فجدي الذي توفي منذ سنين حدثني عنها، عن هوائها ومائها، حقولها وينابيعها وزرعها وأهلها الطيبين. وكأني لم أنقطع عنها يوماً!
زرت صفد بلدي التي أوصاني بها جدي، المدينة الفلسطينية الجميلة الهادئة الوادعة التي تعتلي قمم جبال الجليل الغربي، جبال كنعان والجرمق. رأيت جبل القلعة وسطها، رأيتها شامخة شموخ جبالها وتاريخها. وقفت هناك ورأيت بحيرة طبرية الواقعة قربها وشاهدت بحيرة الحولة، التي جففها المحتلون، داعب نسيم المكان وجهي المشتاق إليها ومرغته بترابها.

أخيراً، تحققت أمنيتي بزيارة صفد، وطني ومدينتي، كانت فقط مجرد زيارة لساعات معدودة، لا يهم. المهم أني هنا أمتّع نظري بها.
ما إن رأيتها، حتى شعرت برعشة، لم أستطع أن أصف شعوري. فقط بكت عيناي وسالت دموعي لوحدها، غصصت بالكلمات وذهلت ذهولاً ما بعده ذهول مما رأيته. فقد أدركت أن ما كنت أسمعه من جدي وأشاهده من صور في عينيه الحزينتين لم يكن إلا جزءاً يسيراً، لا يذكر، أمام جمال المكان وروعته. هذه هي مدينتي، وهذا هو بيت العائلة. نعم إنه هو! عرفته من وصف جدي له، تجولت في المدينة في أحيائها وبيوتها، حاراتها وأزقتها، أسواقها، أدراجها وشوارعها وجوامعها، وقفت أتأمل المدينة أسترجع ما وصفه جدي لي، فكانت الصورة مطابقة تماماً، حيث إن صفد كانت لا تزال على ما كانت عليه عندما تركها جدي. ما زالت المدينة العربية الفلسطينية موجودة على حالها، برغم عوامل الزمن التي أنهكتها قليلاً، أو هدمت بعضاً من بيوتها، وبالرغم من أن المحتلين أدخلوا بعض التحسينات على ما هو قائم من شوارع وطرقات، أو بعض أماكن التسوق في المدينة. هم اهتموا فقط بهدم بعض الجوامع وتحويل البعض الآخر إلى متاحف لتاريخهم المزيف، وبنوا لأنفسهم أحياءً جديدة حول المدينة، وضموا هذه الأحياء إليها، وجعلوا من صفد مدينة دينية، سياحية، ثقافية وفنية، لموقعها وجمالها وروعتها.
لم أر بحياتي مدينة أجمل منها ومن طبيعتها وطبيعة منطقتها في العالم كله. هذه هي صفد، بل هذا هو وطننا كله، فهل أبالغ إذا قلت إني أعشق مدينتي ووطني حتى الجنون؟ دخلت وطني بلا جواز سفر ولا تصريح عبور. دخلته مخترقاً كل الحواجز، متجاوزاً جميع السلطات، ولم أمنح الاحتلال أن يختم على يدي بالدم. عزمت على أن أزور كل شبر فيها، لولا أن الكهرباء انقطعت، فتجمدت الماوس ولم يعد باستطاعتي أن أقلب صور بلادي... على الإنترنت.