العام 1982– بيروت – طرابلس الغرب – ليبيا.

يغادر طلال إلى بيروت، هو يعرف أنه قد لا يعود، لكنه بنفس الوقت، يعرف أن بيروت تحترق، المخيم حيث تربى يحترق، بيته، عائلته، كل من يعرفه، يحترق. ماذا يفعل؟ هل ينتظر هنا؟ هو لا يستطيع البتة. فالابن الوفي للمقاومة الفلسطينية مسكونٌ بها.
الرجل، المناضل في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تلميذ «الحكيم» جورج حبش والدكتور الغامض «وديع حداد» لا يعرف الاستكانة، فهو منذ صباه يُعَدّ من أشهر قادة التظاهرات فيها، منذ أيام الجامعة العربية، منذ أيام الكتابة مع الشهيد «غسان كنفاني» لا يستطيع ترك كل هذا وراءه دون أن يعود. لا بد أن يعود. بيروت هي أكثر ما أحبه الفلسطيني يوماً، بيروت أم الفلسطيني ولو جار كل الزمان عليه، بيروت تعرفنا كضمادة جرح نازفٍ باستمرار.

في الطريق، بحراً، تأخذك الموانئ بعيداً، لأجل الرزق، هكذا قيل. تجبرك الحياة على أن تكون بعيداً عمن تحب. لكن في النهاية لا تستطيع أن تتركهم في محنتهم، لا تستطيع أبداً أن تنظر ناحيتهم بأن لا شأن لك بذلك. أنت جزءٌ منهم بمقدار ما هم جزءٌ منك.
الباخرة تمخر عباب البحر، وفي داخل الرجل شيءٌ من رهبة، كيف سيرى المدينة التي ترك؟ الأخبار تقول بأن بيروت الجميلة نزل فيها الصهاينة، الجيش الصهيوني بات على أبواب عروس البحر الأبيض المتوسط. هل من جيوشٍ عربية؟ لا. هل ستتدخل قوى عظمى؟ أيضاً لا.

طلال، الذي أصبح جَداً اليوم يعرف أن المقاومة انتصرت
على الاحتلال
يستذكر الجميع يوم قال السفير السوفياتي لبضعة قادة فلسطينيين طلبوا من موسكو التدخل، قائلين: إن بيروت الجريحة اليوم تشبه ستالينغراد التي حاصرها النازي. يومها أجابهم السفير «باستعلاء»: ستالينغراد كانت تنتظر الجيش الأحمر، أنتم ماذا تنتظرون؟ جرّ القادة أذيال الخيبة يومها، وعرفوا أنها معركتهم وحدهم. ترك الفلسطينيون واللبنانيون معاً لمواجهة مصيرهم المشترك بوجه آلة الحرب الصهيونية المتوحشة. كما سيتركون بعدها مراراً.
البحر يهز الباخرة بعنف، البحارة يعملون بصخب، ربما حتى يغنوا بلغة لا يعرفها، وقلب الرجل لا يستطيع النوم، ربما نام بضع ساعات، لكن كل ما يحدث يجعله لا يفكّر إلا في أمرٍ محدد: ماذا سيحصل عند نزولهم؟ هل سيفعلون شيئاً؟ هل سيقدرون؟ يستذكر كل ثانية حينما قرر ترك كل شيء وراءه، زوجته، أطفاله الصغار، المدرسة حيث يعلّم، كل ذلك في لحظةٍ بات عبثياً، لن تسقط بيروت، لن يسقط الحلم المقاتل، لن تضيع فلسطين. دمنا فداءٌ للحلم. ما فائدة القصائد؟ ما فائدة الأشعار والأغاني والهتافات إن لم تؤدّ أثرها الآن؟ لماذا كل هذه البنادق والأسلحة والتدريب؟ لماذا كل هذا إن لم نصمد وننتصر؟
«الرفاق ينتظروننا»... كلماتٌ مقتضبةٌ مختصرة سمعها، لم يفكّر فيها كثيراً، الرفاق يعني الرفاق، مقاتلو الجبهة الشعبية الأشداء لم يكونوا يوماً الأكثر عديداً أو عدداً. لكنهم كانوا يتفاخرون بكونهم الأكثر ثقافة ومعرفة وعلماً. الجبهة الشعبية كانت مزيجاً مبهراً ولربما الأنجح بين الحركات اليسارية المسلحة في العالم كله. التنظيم الذي خرج أساساً من رحم حركة القوميين العرب، وحمل أسماءً عدة عند بداياته في عام 1966 كشباب الثأر وأبطال العودة، ضم أطباء، مهندسين، علماء، مفكرين، مثقفين، كادحين، كلهم كان يجمعهم هذا الإطار الحميم في علاقة أقرب إلى الأسرة منها إلى فصيلٍ مقاوم مقارنةً بأختها الكبرى «فتح» التي كانت الأكثر تعداداً والأوسع انتشاراً والأشبه بدولةٍ منها لمنظمة «تحرير». الجبهة اشتهرت بعملياتها النوعية وتنسيقها مع أغلب الحركات اليسارية المسلحة من جميع أنحاء العالم. فمن الجيش الأحمر الياباني، إلى ثوار الباسك، مروراً بالألوية الحمراء الإيطالية، وبايدر ماينهوف الألمانية إلى كارلوس.
قائد الجبهة في الظل، د. وديع حداد «أبو هاني»، الرجل صاحب «العمليات الخارجية» صاحب مقولة: وراء العدو في كل مكان. فكيف إذا وصل العدو إلينا؟ هل نهرب منه!! لا والله أبداً. الجملة التي استعملها طلال يومها، سيستعملها هي نفسها بعده محمود الطوالبة القائد في سرايا القدس في مخيم جنين حينما حاصر الصهاينة المخيم، وطلبت القيادة منه الرحيل، «يطلبون مني الرحيل؟ أنا الذي كنت أرسل الشباب ليستشهدوا عند العدو، أرحل حينما يصل إلي؟ لا والله لن يحدث!». هي حال الفلسطيني دوماً، يختار أن يقاتل ويستشهد واقفاً. طلال كان يعلم تماماً ماذا يريد: القتال. بكل بساطة.

بيروت ـ 2014

طلال، الذي أصبح جَداً اليوم، جالساً بكل هدوئه يقرأ. كما عادته كل يوم، يقرأ. يعرف أن المقاومة انتصرت على الاحتلال، طردته من لبنان في عام 2000 وصمدت وحدها في عام 2006، هو، كفلسطيني مقاوم، يفخر بذلك. «هم يكملون طريقاً بدأناه، الفلسطيني، هو صاحب البندقية، والطريق». لا يعنيه التجار الحاليون للقضية الفلسطينية، «سيلفظهم الشعب». اليساري القديم كيف يرى الجهاد الإسلامي وحماس وحزب الله. «الطريق نفسه، تتغير الوجوه، لكن الملامح هي ذاتها. كنا نطيل ذقوننا وشعورنا، ونحمل بنادقنا مثلهم، لم نكن كفرة، وهم ليسوا مؤمنين أكثر منا». الطريق نفسه لكن يختلف الأشخاص. الناس يموتون. القضايا أكبر من أن تموت! الوطن لا يحتاج كثيراً، الوطن يحتاج كل شيء!




في عام 1982 اجتاح العدو الصهيوني لبنان للمرة الثانية، وحاصر عاصمته بيروت. المقاومة الفلسطينية التي صمدت ببسالةٍ 88 يوماً اضطرت إلى الخروج آخر الأمر خوفاً من احتراق البلد برمته. هكذا، ودعته مكللةً بالأرزّ والدموع، وآلاف الأعيرة النارية المطلقة في الهواء. لم تكن هزيمة، وليست انتصاراً. عند بداية الأحداث، هرع آلاف الشبان الفلسطينيين والعرب إلى لبنان محاولين فك الحصار عن العاصمة الصامدة، بعضهم نجح بالوصول إليها، بينما لم ينجح كثيرون.