باريس | لماذا فشلت اللقاءات والحوارات والوساطات العربية الكثيرة خلال السنوات الماضية في تقريب وجهات النظر بين فتح وحماس، في حين أن زيارة خاطفة لوفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية أرسله محمود عباس إلى قطاع غزة تمكن من إتمام ذلك من دون أية وساطة؟ لماذا فشل تطبيق «اتفاق القاهرة» عام 2011 وبعده «إعلان الدوحة»، في الوقت الذي تتم فيه المصالحة المعلنة اليوم بالاستناد إلى ذات المرجعيتين؟


لماذا يقبل الطرفان تحميل الشعب الفلسطيني أعباء انقسامهما طوال هذه المدة طالما كان بإمكانهما وضع حد لها؟ والسؤال الأهم والأكثر حيوية هو إذا كان الانقسام بين حركتي فتح وحماس قد وقع نتيجة تعارض في البرامج الوطنية والرؤى السياسية كما يدعون، فهل تمكّنا أخيراً من صياغة برنامج وطني مشترك؟
المصالحة الوطنية التي تم الإعلان عنها تنص بشكل واضح على تشكيل حكومة كفاءات خلال خمسة أسابيع وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بعد ستة أشهر، إضافة إلى الشروع في تجديد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية تمهيداً لدخول حماس إليها، وهذا يطرح تساؤلاً بديهياً حول البرنامج الوطني المشترك الذي سيتم تقديمه للفلسطينيين أولاً، ولنواجه به المجتمع الدولي ثانياً؟ هل الخلافات الجوهرية بين طرف يرى السلام هو الطريق الوحيد للوصول إلى دولة على حدود 1967 وآخر يؤمن بالمقاومة بكل أشكالها كطريق لتحرير فلسطين التاريخية قد حسمت؟ أم أن أحدهما انصاع في النهاية لاستراتيجية الآخر؟ التصريحات التي صدرت عن الموقعين على هذه المصالحة تقول بأن أوسلو لا يزال هو الإطار الحاكم للسلطة الفلسطينية التي ستجدد مؤسساتها من خلال الانتخابات، حيث صرح عزام الأحمد، القيادي في حركة فتح، بكل وضوح قائلاً «نحن كفلسطينيين، مجمعون على أن نقبل بدولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وحل قضية اللاجئين والسيادة الكاملة على الأرض والسماء وباطن الأرض، وأنه لا ليهودية الدولة في إسرائيل». وصائب عريقات كان قد سبق الأحمد مؤكداً على أن «المصالحة أمر لا بد منه من أجل تحقيق السلام»، ومحمود عباس نفسه لم يفته التأكيد على أنه «لا تناقض بين المصالحة والمفاوضات».
في المقابل، فإن تصريحات قيادات حركة حماس اقتصرت على الكلام العام حيث قال موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحركة حماس: «إن الشعب الفلسطيني هو الداعم والراعي الأساسي في إنهاء الانقسام»، مؤكداً أن الاحتلال هو المستفيد الوحيد من التشرذم الفلسطيني». ولم ينف أن هناك الكثير من الصعوبات في وجه تطبيق هذا الاتفاق، ولكنه أصر على ضرورة «أن ننفض الغبار ونبدأ صفحة جديدة بالتوحد والمضيّ قدماً نحو المصالحة».
ولكن الذي على أبو مرزوق أن يخبرنا عنه هو: كيف يمكن المضيّ قدماً إذا لم تجب حركته عن الأسئلة التي طرحت عام 2006؟ وماذا لو أعاد المجتمع الدولي طرح شروطه السابقة عليها؟ وما هو رده على الإجماع الذي يتحدث عنه عزام الأحمد في ما يتعلق بحل الدولتين؟ وهل يتفق مع عريقات بأن هذه المصالحة هي طريق للسلام؟ وضوح قيادات حركة فتح في التأكيد على مواقفهم التقليدية وتهرب قيادات الطرف الآخر من الرد عليها يشير بشكل واضح الى أن حماس هي الحلقة الأضعف في هذه المصالحة. وعلى الرغم من أن محمود عباس لجأ إليها للمناورة بعدما فشل في تحصيل الحد الأدنى من مطالبه من حكومة بنيامين نتنياهو، فإن حماس قد أرغمت عليها بعدما خسرت سندها الأساسي المتمثل في «الإخوان المسلمين»، وبعدما خسرت أيضاً سوريا وإيران ولم تكسب قطر.
وهذا يعني أن الطرفين قد لجآ إلى ما يسمى «المصالحة الوطنية» لتحسين مواقعهما السياسية كأطراف، وليس لأن ذلك سيخدم القضية الفلسطينية كما يصورون، لأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال خدمة هذه القضية في ظل غياب الاتفاق الواضح والمحدد حول ماهية الثوابت الوطنية وكيفية تحقيقها إن كان بالمقاومة أو المفاوضات أو بالتزاوج بينهما؟ لا يمكن أن تتحقق مصلحة القضية الفلسطينية في ظل غرق طرف لإذنيه في مفاوضات عبثية منذ عشرين عاماً حتى اليوم، وطرف آخر يتذبذب في مواقفه حسب الظروف الإقليمية والدولية، بحيث ينادي بالمقاومة لكنه يتردد في ممارستها منذ عام 2006.
من جهة أخرى، فإن المصالحة التي يدّعونها تؤكد مرة أخرى أن السلطة الفلسطينية كمؤسسة أوسلو هو سقفها الأعلى أصبحت محل إجماع بين كل الأطراف. يختلفون حول نصيبهم منها، ولكن لا يختلفون عليها، وإلا ما معنى عودة حماس إليها مرة أخرى من خلال انتخابات جديدة بعدما جربت هذا الطريق سابقاً وتبيّن لها بما لا مجال فيه للشك أن المناورة من داخل هذه المؤسسة مسألة مستحيلة؟ وإذا كانت قد بررت مشاركتها عام 2006 بموت أوسلو خلال الانتفاضية الثانية، فما هو تبريرها هذه المرة وأوسلو لا يزال على قيد الحياة؟ وكيف يمكن لمحمود عباس أن يهدد بتسليم مفاتيح هذه السلطة في الوقت الذي سيدعو فيه غداً الشعب الفلسطيني إلى تجديد شرعيتها؟
لو كان عباس صادقاً في تهديده هذا لاستثمر التوصل الى «مصالحة وطنية» بدعوة كل الأطراف الفلسطينية إلى الشروع في ورشة عمل وطنية مفتوحة، يتم خلالها وضع السيناريوات والبدائل «لما بعد السلطة». ولو كانت حماس لا تزال متمسكة بفلسطين التاريخية لرفضت أن تتم المصالحة على قاعدة انتخابات يحكمها أوسلو.
لكن وجود كل هذه الأسئلة معلقة من دون إجابات وخاصة من طرف حماس، يشير الى أن ما حصل في قطاع غزة بالأمس هو مجرد مسرحية ومراهقة سياسية ونفاق يمارس من قبل قيادات الطرفين بحق الشعب الفلسطيني، وهو أيضاً تقاسم مصالح وليس إنهاء انقسام. وحتى لو اعتبرناه إنهاء انقسام فعلاً، فهو بلا أدنى شك على حساب القضية الفلسطينية وثوابتها.