بالرغم من أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يكن ليوقّع على اتفاق مصالحة مع «حماس»، في هذه المرحلة على الاقل، لولا النتيجة التي آلت اليها المفاوضات بفعل التصلب الاسرائيلي، اتخذت حكومة بنيامين نتنياهو المصالحة الفلسطينية سبباً ومبرراً للإعلان عن وقف المحادثات مع الجانب الفلسطيني، متهمة رئيس السلطة بأنه لو كان يريد إنجاح المفاوضات لواصل مساعيه، ولما اتفق مع حركة ترفض الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات الموقّعة معها.


مع ذلك، تسود تقديرات في الساحة الاسرائيلية تكشف عن وجود قدر من الرهان على فشل المصالحة الفلسطينية، انطلاقاً من أن الخوض في التفاصيل يؤكد أن الطريق ما زالت طويلة ومليئة بالعثرات، وبالتالي يمكن أن تستجد خلافات قد تهددها. هذه التقديرات الموزعة بين جهات سياسية وإعلامية، لم تحضر في اعتبارات المجلس الوزاري المصغر الذي تعامل مع المصالحة الفلسطينية بمنسوب توظيفي مرتفع جداً، في سياق تبادل إلقاء المسؤولية على فشل المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.
على خلفية قراءة وتقدير إسرائيليين بأن الاتفاق مع حماس هو جزء من ردود السلطة على التصلب الاسرائيلي، قرر المجلس الوزاري المصغر، بعد جلسة استمرت ست ساعات، سلسلة إجراءات عقابية، بدءاً من تجميد الاتصالات السياسية مع السلطة وفرض عقوبات عليها، وصولاً الى شن حملة دعائية تهدف الى تشويه صورة أبو مازن على المستوى الدولي.
لجهة تجميد الاتصالات، من الواضح أن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أن الاتفاق هو مع جهة ترفض الاعتراف بها وبالاتفاقات الموقعة معها، وعلى هذه الخلفية فإنها ترفض أي إضفاء مشروعية على «حماس»، من دون التراجع عن خياراتها السياسية. وهو ما أوضحه نتنياهو لوزير الخارجية الاميركي جون كيري، بالقول إنه من ناحية إسرائيل فإن تشكيل حكومة وحدة بين فتح وحماس سيقود الى وقف المفاوضات. وأوضح مصدر سياسي إسرائيلي أنه «بعدما تحولت السلطة وحماس الى جسم واحد، لم يعد بالإمكان إدارة مفاوضات سياسية معها. أما بخصوص العقوبات، فقد أوضح نتنياهو أيضاً لكيري أن إسرائيل ستوقف نقل أموال الضرائب الى السلطة، إضافة الى توصية الكونغرس الأميركي بوقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية. وأوضح مصدر سياسي أنه «حتى الآن وجهنا إنذاراً حول العقوبات، وحالياً سننفذ». أما لجهة الدعاية الاسرائيلية التي تهدف الى تشويه صورة رئيس السلطة، في الإعلام الدولي، فمن ضمن الخيارات التي تم درسها إمكان نشر بيانات في الاعلام الدولي تربط بين اسم أبو مازن وزعيم القاعدة أسامة بن لادن بهدف إقناع الرأي العام الدولي بأن أبو مازن ليس شريكاً للسلام، وأنه يفضّل الوحدة مع منظمة إرهابية إسلامية على اتفاق السلام مع إسرائيل.
وبقدر من الإقرار بالفشل في تقدير الاستخبارات حول ما يمكن أن يقدم عليه محمود عباس، أقرّت جهات سياسية إسرائيلية بأن المستوى السياسي فوجئ بإعلان المصالحة من قطاع غزة، في الوقت الذي كان مشغولاً بإمكانية إقدامه على «حل السلطة». وأضافت المصادر نفسها أن «الاستخبارات لم تطلع المستوى السياسي على تطور المحادثات بين حماس والسلطة، وهذا ببساطة فشل، لم نعرف ماذا كان يجري».
وأقرّ مصدر سياسي لموقع «واي نت» بأن الإسرائيليين لم يكونوا على علم بالاتفاق الذي يتبلور. وأوضح مصدر سياسي أمني إسرائيلي أن «الاجهزة الامنية تابعت الاتصالات بين حماس والسلطة، لكن لم نعرف في أي يوم بالضبط سيحدث هذا، ولم نعرف أنه سيصدر بيان».
على خط مواز، رأى تقدير صادر عن القسم الاستخباري في وزارة الخارجية الاسرائيلية أن الاتفاق تمت صياغته «بخطوط عامة وضبابية متعمدة، وهو بعيد عن التحقق»، مضيفاً أن «التفاهمات التي تم التوصل اليها بين فتح وحماس تمت بلورتها على أساس التقاء مصالح معين بين الجانبين نتيجة ضعفهما، بفعل المصاعب التي يواجهانها». ولفت التقدير أيضاً الى أن الرئيس الفلسطيني يأمل أن «تشكل خطوة المصالحة مع حماس رافعة ضغط على إسرائيل لتجديد المفاوصات وفق شروطه، وأن تشكل تحدياًَ لسياسة حماس إزاء عملية التسوية. وفي المقابل، فإن حماس تأمل أن يسهم الاتفاق في تغيير التعامل السلبي من جانب مصر تجاهها، وتضمن بأن يتم دمج التنظيم في مؤسسات منظمة التحرير، وأن يحظى ناشطوها في الضفة بمزيد من حرية العمل». أما لجهة آفاق الاتفاق، فقد أضافت ورقة الموقف التي قدمتها الخارجية الاسرائيلية «برغم التقاء المصالح وأجواء التفاؤل، ما زالت هناك أجواء شك وعدم ثقة بين فتح وحماس، والطرفان بعيدان عن جسر الهوات» المتصلة بالتفاصيل التي لم تغلق إلى حد الآن. ولفت التقدير الى أن «أبو مازن ما زال يحتفظ لنفسه بمساحة مرونة ما، ويمكنه إما التقدم أو إرجاء المصالحة حسب احتياجاته». واختتم التقدير بالقول «إن تطبيق التفاهمات مرتبط بتقدم المفاوضات مع إسرائيل وبرد فعل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة».
إلى ذلك، رأى وزير الخارجية الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان أنه «في حال جرت الانتخابات الفلسطينية كما تم الاتفاق عليه بين فتح وحماس، فمن الواضح أن حماس ستفوز في كل من غزة والضفة الغربية». أما رئيس البيت اليهودي، نفتالي بينيت، فرأى أن اتفاق الدمج بين فتح وحماس والجهاد الاسلامي «يدخل الشرق الاوسط في عهد سياسي جديد»، واصفاً السلطة بأنها «تحولت الى أكبر جهاز إرهابي في العالم، على مسافة 20 دقيقة من تل أبيب».
من جهتها، رأت وزيرة القضاء تسيبي ليفني أن المسألة «تتعلق بتطور إشكالي جداًَ، يمس بجهود السلام التي تجري بشكل مكثف وبالفرصة التي تشكلت فقط في الفترة الأخيرة». وأيّدت ليفني الموقف الإسرائيلي بعدم إجراء مفاوضات ما دامت حماس لا تعترف بإسرائيل.
في المقابل، رأت رئيسة حزب ميرتس اليساري، المعارض، زهافا غلاؤون، أن المصالحة بين الضفة وغزة هي أمر حيوي ما دام الاتفاق بين أبو مازن وإسرائيل يلزم حماس، وعلى رأسه إيقاف العنف».
من جهة أخرى، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «الجيش الاسرائيلي أجرى، بعد التطورات الدراماتيكية الفلسطينية، مناورة مفاجئة في قيادة المنطقة الوسطى تحاكي سيناريوات تصعيد محتمل في الضفة الغربية». وشملت المناورة التدريب على مواجهات شبان فلسطينيين، ومحاولات لعدد من الفلسطينيين القيام بتنفيذ عمليات فدائية ضد أهداف ونقاط عسكرية في مناطق الضفة الغربية، وذلك من خلال استخدام وسائل تفريق المظاهرات.
في المقابل (أ ف ب)، أعلن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أن القيادة الفلسطينية ستدرس «كل الخيارات» للرد على قرار إسرائيل وقف المفاوضات. وقال إن «أولوية الشعب الفلسطيني الآن هي المصالحة ووحدتنا الوطنية».