رام الله | في أقل من يومين، وبشكلٍ مخالفٍ لتوقعات الشارع الفلسطيني، توصل وفدا المصالحة الفلسطينية «حركة حماس» و«منظمة التحرير» في غزة أمس إلى اتفاقٍ يقضي بإنهاء حالة الانقسام المسيطرة على الشارع الفلسطيني، على أن يُبدأ بتنفيذه في أسرع وقت، انطلاقاً من إعلان تشكيل حكومة توافق وطني خلال 5 أسابيع، والاتفاق على إجراء انتخاباتٍ خلال ستة أشهرٍ من تشكيل الحكومة المقبلة.


التوصل إلى هذا الاتفاق يطرح تساؤلاتٍ عديدة عن الضمانات التي يرتكز عليها لتطبيق بنوده، وعن الظروف التي جعلت التوصل إليه ممكناً هذه المرة، رغم فشل المحاولات السابقة.
الناطق باسم حركة فتح أحمد عساف، نفى أن يكون لفشل المفاوضات مع إسرائيل والظروف الصعبة التي تمر بها السلطة الفلسطينية أي تأثير في مسألة التوصل إلى اتفاق المصالحة. وأضاف عساف لـ«الأخبار»: «بالنسبة إلينا في فتح، لا يوجد ما هو جديد، وموقفنا لم يتغير. فمنذ أن بدأ الانقسام ولغاية الآن سعينا إلى إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وتوصلنا إلى اتفاقيات في القاهرة وإلى ملحق آخر سُمي إعلان الدوحة، وتم الاتفاق اليوم على مباشرة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه منذ عدة سنوات، والجديد هو توجه الوفد القيادي لقطاع غزة وإعلان حركة حماس قبولها لتوقيع اتفاق المصالحة». وأشار عساف إلى أن «فتح منحت الوفد المتجه إلى قطاع غزة كافة الصلاحيات وتفويضاً من قبل الرئيس أبو مازن ومن قبل كل القيادات والأطر الحركية من أجل الوصول إلى الاتفاق الذي سينهي الانقسام ويحقق الوحدة».
وكذلك الأمر في حركة «حماس»، فقد نفى القيادي فيها إسماعيل رضوان أن يكون للوضع الذي تمر به حركته والحصار المفروض عليها في قطاع غزة، أي دور في الضغط عليها أو دفعها نحو المصالحة مع حركة فتح. وقال رضوان، لـ«الأخبار»، إن «موضوع الحصار ليس وليد اليوم، بل هو موجود منذ سبع سنوات، ولكن المصالحة هي مصلحة وطنية عليا لفتح وحماس والشعب الفلسطيني».

مخاوف من
احتمال تفجر الاتفاق كما جرى في المرات السابقة
ورأى رضوان أن تعثر المفاوضات التي تخوضها السلطة الفلسطينية شكل سبباً أساسياً في الدفع نحو توقيع اتفاق المصالحة، مشيراً إلى «وجود عوامل أخرى تتمثل في الوضع الداخلي الفلسطيني وتجرؤ الاحتلال على القدس والأسرى، وضعف الجانب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال في ظل الانقسام، إضافةً إلى الحالة العربية الصعبة التي يستغل الاحتلال انشغال العرب في أمورهم الداخلية في تهويد القدس واستهداف شعبنا».
الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، جهاد حرب، اختلف مع عساف ورضوان في ما قالاه عن العوامل التي ساعدت على التوصل إلى الاتفاق، قائلاً إن «الذهاب إلى هذه المصالحة خلال هذين اليومين يأتي في إطار مصالح الطرفين، وخاصةً أن حركة حماس تعيش ظروفاً صعبة في قطاع غزة، بالإضافة إلى فشل في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية»، مشيراً إلى أن «المسيرة ما زالت طويلة، على الرغم من الاتفاق الأولي على تشكيل الحكومة والانتخابات».
ما الضمانات؟
وبعيداً عن بنود الاتفاق التي تضمنت تفعيل منظمة التحرير واستئناف عمل لجنة المصالحة المجتمعية ولجنة الحريات، يبدي كثيرون تخوفهم من احتمال تفجر الاتفاق كما جرى في المرات السابقة، بحث يكون التساؤل الأهم عن حجم الضمانات التي قد تمنع انهياراً كبيراً للاتفاق قد لا تحمد عقباه. وعن هذا الأمر، قال الناطق باسم فتح أحمد عساف «إن الضمانة لهذا الاتفاق تتمثل في المصالح العليا للشعب الفلسطيني والمقاومة الشعبية، وتكريس الديموقراطية كمنهج للعمل السياسي الفلسطيني، كل هذه الأمور تعزز الثقة وتشكل ضمانة للاتفاق». أما القيادي في حماس، إسماعيل رضوان، فرأى «أن الإرادة الصادقة لدى الجانبين، ورغبة الشعب الفلسطيني في إنهاء الانقسام تشكلان الضمانة». وشدد رضوان على أن «الغطاء العربي يشكل ضمانة أساسية، حيث إنه لا بد له من أن يوفر السياج المالي والدعم السياسي لإنجاز المصالحة».
ومن ناحيته، رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أحمد رفيق عوض أن الظروف الصعبة التي تمر بها الحركتان تشكل ضمانةً لهذا الاتفاق «لكنه حذر من وجود العديد من العقبات التي قد تؤدي إلى تفجر الاتفاق». وأضاف عوض لـ«الأخبار» أنه «توجد أمور كثيرة تشكل خطراً على الاتفاق، منها الإطار القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومسألة تشكيل الحكومة وكيف ستكون والمحاصصة كيف ستكون والمشاركة في صنع القرار والتدخلات الإقليمية والإسرائيلية والتدخلات العربية، وهذا يعني أن هناك أموراً مختلفة تجعل من الدخول في التفاصيل مشكلة، وقد تفجر الاتفاق».

المصالحة والمفاوضات مع إسرائيل

وفي ظل التهديدات الإسرائيلية للرئيس الفلسطيني، وتحذيره من التوصل إلى اتفاق سلامٍ مع حركة «حماس»، كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «إما نحن أو حماس»؛ فقد أوضحت حركة «حماس»، خلال إعلان توقيع اتفاق المصالحة، أنها ما زالت ثابتة على موقفها من رفض الاعتراف بإسرائيل ورفض المفاوضات التي تعتبرها السلطة الفلسطينية في رام الله منهجاً للوصول إلى الدولة الفلسطينية. وعبّر القيادي رضوان عن ذلك، قائلاً إن «حماس لم ولن توافق على أي اتفاقات مع الاحتلال، ولن توافق على المفاوضات العبثية، كما تؤكد تمسكها بالثوابت الفلسطينية». تصريح رضوان هذا جاء رغم أن رئيس وفد منظمة التحرير في قطاع غزة عزام الأحمد قال خلال المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه التوصل إلى الاتفاق، إن ما تم التوقيع عليه هو ما تم التوصل إليه في اتفاق القاهرة بما يشمل الموافقة على مبادرة السلام العربية التي تقضي على الاعتراف بإسرائيل من قبل جميع الأطراف العربية مقابل دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إلى ذلك (أ ف ب)، سارعت الولايات المتحدة، على لسان المتحدثة باسم وزارة خارجيتها جين ساكي إلى التأكيد أن «التوقيت مثير للمشاكل ونشعر بالتأكيد بخيبة أمل إزاء الاعلان». وأضافت: «يمكن أن يعقّد ذلك جهودنا بنحو خطير. ليس فقط جهودنا، بل جهود كل الاطراف لمواصلة مفاوضاتها». وتابعت: «يصعب تخيل كيف يمكن توقع أن تتفاوض إسرائيل مع حكومة لا تؤمن بحقها في الوجود». في المقابل، شدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس على أن «لا تناقض بتاتاً بين المصالحة والمفاوضات، خاصة اننا ملتزمون إقامة سلام عادل قائم على اساس حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية». وأوضح قائلاً «إن مثل هذه الخطوة المدعومة عربياً ودولياً ستعزز من قدرة المفاوض الفلسطيني على انجاز حل الدولتين».