قبل عقود كان «الداغستان السوريون» يتوزعون على قرى مالطَه، خَفِـيَّه، جِصِّين، عيدُون، شرق مدينة حمص، والناعم، دُوَيْعِر، خِرْخِرْ غرب حمص، إضافة إلى دير شميِّل في سهل الغاب، ودير فول التابعة لناحية تلبيسة. منذ سنوات طويلة خلت القرى الثماني من الداغستانيين، فانتقل معظمهم إلى المدن الكبيرة، وانتقل آخرون إلى دير فول، التي يعدّها أبناؤها «داغستان سوريا»، إذ سكنها الداغستانيون منذ عام 1886، تاريخ استقرارهم في سوريا، بإذن من السلطان العثماني، وهم في طريقهم إلى الحج، بحسب ما يقول احفادهم اليوم.


ويعدها آخرون «القوقاز السورية» نتيجة قيام علاقات مصاهرة بين عائلاتها وعائلات القرى الشركسية المجاورة. تتمتع القرية بموقع استراتيجي، يبدو أنه تحول إلى لعنة. تبعد حوالى 10 كلم عن الرستن، وتقع على مقربة من تلبيسة، والزعفرانة، والسعن (جميعها في ريف حمص)، وسلمية (ريف حماه). الأمر الذي يمثل مبرراً أساسياً لتمسك تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بها، بعدما خسر معظم مناطق نفوذه في حمص. كذلك يمثل دافعاً لاستماتة «جبهة النصرة» و«الجبهة الإسلامية» لاستعادتها من «داعش».
الدخول إلى القرية ليس بالأمر اليسير، لكنه ليس مستحيلاً. التنسيق مع أحد سكانها ضروري، ومن الأفضل أن يكون الساكنُ أحد النازحين إلى دير فول، لا من سكانها الأصليين. فهذا يجعلُ نسجَ حكاية عن وجود صلة قربى (مزعومة) بينكما أكثر قابلية للتصديق، وخاصة إذا كان مضيفك يتحلى بسمعة «ثوريّة» حسنة، ومن المواظبين على أداء صلاة الجماعة. ما يجعلُه بعيداً عن شبهة ارتكاب خطيئة الكذب.
لا بأس أيضاً في التسلح برواية مُحكمة من باب الاحتياط. ولتشتمل الرواية على بعض العناصر الضرورية، مثل «الهرب من النظام النصيري الكافر»، والتوق للجوء إلى رحاب «الدولة الإسلامية في العراق والشام». أستذكر جيداً ما تحفظه من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية. احرص على أن تفوح منك رائحة المسك بدلاً من رائحة التبغ. إمعاناً في الاحتياط؛ راجع معلوماتك عن سِيَر «الجهاديين» الجدد. أعد الاستماع إلى آخر كلمات أبو محمد العدناني (المتحدث الرسمي باسم «داعش»). وانطلق «على بركة الله». وتنبّه جيداً إلى أن كل الاحتياطات السابقة لن تفيد إذا ارتكبت واحدة من «الكبائر الداعشية». كأن تبقى في الطرقات بعد أن ينادي المؤذن للصلاة. وكي تنجح في تحاشي هذه «الكبائر» سيكون عليك تنفيذ تعليمات مضيفك بدقة.
المعلومات الوافية التي أمدّنا بها أحمد (اسم مستعار) عن وضع القرية، تنجحُ في الحيلولة بيننا وبين التفاجؤ بفعل المشهد الذي يبدو مُقتطعاً من أحد المسلسلات التاريخية. مع ارتفاع صوت الأذان تبدأ المحال (القليلة) في الإغلاق تباعاً. يهرع الجميع إلى المسجد. وعلى رأسهم مسلحو «داعش»، الذين يدخلونه بأسلحتهم. ولا يحتاج الأمر إلى إمعان النظر لملاحظة الأحزمة الناسفة حول خصور بعضهم. فهؤلاء لم يحاولوا إخفاء أحزمتهم، بل إن بعضهم أظهرها للعيان على نحو مبالغٍ فيه. ثمة شعور يُلازمنا بأننا موضع نظرات صارمة، لكن تحذيرات أحمد السابقة تمنعنا من التلفت للتأكد من حقيقة هذا الشعور. «أبقِ نظرَك مستقيماًَ. ومن الأفضل أن تنظر إلى موضع خطواتك. فهذه آداب غض البصر التي يحرصون عليها». ترن تلك الوصية الذهبية في رأسنا على امتداد المسافة إلى المسجد، التي بدت – برغم قصرها – أطول من أن تنتهي.

لم تسجل حالات «إقامة حد»
باستثناء جلد طفل في الحادية عشرة من عمره

بعد انقضاء الصلاة نغادرُ المسجد فوراً. بات بإمكاننا الآن تبادل الحديث في منزل أحمد، مع كأس من الشاي، بعيداً عن رقابة «الداعشيين». يتحدث أحمد بحنين عن بدايات نزوحه من حمص إلى هذه القرية المنسية. وعن التظاهرات التي صرخوا فيها كما يحلو لهم، والتي «لم تنجُ من رصاص عناصر الحاجز الذي أقامه الشبيحة على مداخل القرية حينها. كما شُنت حملات مداهمة أمنية»، بحسب قوله.
في أواخر 2012 شهدت القرية انعطافة مفصلية، بعدما هاجم مسلحون تابعون لـ«كتائب الفاروق» مقر كتيبة الدفاع الجوي، في محيط القرية، التي أخضعوها لسيطرتهم أيضاً. «منذ ذلك الحين بدأت غارات الطائرات الحربية تتكرر»، يقول أحمد. كذلك عانت القرية مراراً انقطاعات التيار الكهربائي، والاتصالات، ونقص السلع الغذائية. شأنها في ذلك شأن كثير من المناطق السورية، لكنّ المنعطف الأخطر، وفقاً للشاب، بدأ منذ حوالى أربعة أشهر، مع سيطرة مسلحي «داعش» على القرية. «عاملونا بالحسنى أوّل الأمر. وشيئاً فشيئاً، راحوا يتسلّطون على حياتنا، بذريعة حكم الشريعة الإسلامية».

الحكم بـ«حد السيف»

«ولّى زمن الضلال. ووالله لنقيمن حكم الشريعة ولو بحد السيف». هذه الجملة أكثر ما علق في أذهان سكان القرية، من الخطبة النارية التي ألقاها قبل أشهر أحد قادة «داعش» في القرية. كان «الداعشيون» قد أعلنوا قبلها أحقيتهم بـ«الإمامة»، لتقتصر الخُطب على «مشايخهم». وبدأت «الفرمانات» تصدر تباعاً باسم الشريعة. ومنها: «جلد كل من يتخلّف عن صلاة الجماعة»، و«جلد كل فتاة تجاوز عمرها 12 عاماً ولم تتنقّب، او بدا شيء من زينتها، أو شوهدَت تسير من دون مُحرم». لكن هذا القرار عُدّل لاحقاً، إثر حادثة يرويها أحمد: «كانوا على وشك القيام بجلد إحدى مُعلمات القرية. بحجة أن رائحة عطر كانت تفوح منها، لكن رجال القرية وشبانها احتشدوا في الساحة، وقرروا أن ذلك لن يجري إلا على جثثهم». فألغي تنفيذُ «الحكم». ولاحقاً، قام «مشايخ داعش» في القرية بتعديل «الفتوى». لتنصّ على «جلد والد أي فتاة عزباء لا تضع النقاب، أو يبدو شيء من زينتها، أو تتجول من دون مُحرم». الأمر الذي يسري على زوج كلِّ مُتزوجة تُخالف «الفتوى».
التزم معظم السكان تنفيذ «فتاوى داعش»، ولم تسجل حالات «إقامة حد» باستثناء حادثة جلد طفل في الحادية عشرة من عمره 20 جلدةً «تأديبية» بعد سماعه «يتلفظُ بالكفر البواح أثناء لعبه في الكرة».

دير فول في مهب «حرب الجهاديين»

وصلت معارك «الإخوة الأعداء» أخيراً إلى دير فول. أرسل مسلحو «النصرة» و«الجبهة الإسلامية» تهديدات شديدة إلى نظرائهم في «داعش»، وخيروهم بين الانسحاب «سلمياً» من القرية، أو «الخروج منها جثثاً هامدة». وبطبيعة الحال، رفض مسلحو «داعش» الانسحاب، لتتوالى محاولات اقتحام القرية، وتنشب المعارك بين «الجهاديين». نصغي إلى صوت رصاص متقطع. يؤكد أحمد أن «لا شيء يدعو إلى القلق». فهذه ظاهرة تتكرر يوميا، وليست أكثر من تذكير بوجود المسلحين وسطوتهم. ويضيف: «اليومان الأخيران كانا هادئين نسبياً. لكن الأيام التي سبقت شهدت معارك عنيفة. سقطت قذيفتا هاون في ساحة القرية، واستشهد أحد المدنيين».
نبدي استغرابنا من التناقض الكبير بين الأنباء الكثيرة المنتشرة على محركات البحث عن «قصف القرية»، والأضرار المحدودة التي لاحظناها. ولو صحت نصف تلك الأنباء، لكان القصف كفيلاً بتدمير القرية الصغيرة. لا يوافق الشاب على القيام بجولة موسعة داخل القرية، فهذا من شأنه أن يلفت الأنظار إلينا. يرافقنا في زيارة إلى منزل أحد معارفه من أبناء القرية.
يستقبلنا محمد (اسم مستعار) بالحفاوة الريفية المعهودة. يكررُ بعض القصص التي سمعناها من أحمد. يقول مؤكداً «نعم. جذوري تعود إلى داغستان. لكنني سوري. وهؤلاء الأغراب أفسدوا حياتنا». يروي الرجل قصصاً عمّا فعلوه في قريتي عز الدين وأبو هُمامة القريبتين، ومعظم سكانهما من الشراكسة السوريين. «فجّروا مقام الصحابي الجليل أبو أُمامة الباهلي (سُميت القرية على اسمه ثم حُوّر اسمها إلى أبو هُمامة). كذلك فجروا مقام الشيخ عز الدين أبو جرّة، في قرية عز الدين. والحجة واحدة: المقامات بدعة. ونسفها واجب لأن الناس يعبدونها. أي إسلام هو هذا؟». سؤال لا ينتظر جواباً. لنمضي ما تبقى من الوقت، في الحديث عن «الأيام الخوالي» وفي مقارنات موجعة، بين سوريا الأمس، وسوريا اليوم. بينما ننتظر «الضوء الأخضر» لمغادرة «داغستان السورية» بالطريقة «الملتوية» ذاتها التي استخدمناها لدخولها.



أشهر المقاتلين الداغستانيين في سوريا

لا تتوافر إحصائية دقيقة عن عدد المسلحين الداغستانيين في سوريا. المؤكد أن عددهم قليل جداً. بينما وفَد كثير من «المجاهدين» من جمهورية داغستان. الأمر الذي دفع الرئيس الداغستاني رمضان عبد اللطيفوف إلى انتقاد أجهزة الأمن الداغستانية في حزيران الماضي بسبب «عجزها عن منع مشاركة داغستانيين في القتال إلى جانب المعارضة في سوريا». وقد سُجل حضور كبير لهؤلاء في صفوف كلّ من «جبهة النصرة» و«داعش». واشتهر عددٌ منهم بوصفهم «قادة».
ومن أبرزهم «أبو البنات الداغستاني» الذي أسس عام 2012 «كتيبة أبو البنات»، وضمت مسلحين من الجنسيات الداغستانية والشيشانية والأذرية. وتحالف مع «أبو عمر الكويتي»، الذي كان يتزعم «جند الخلافة». اختفى «أبو البنات» بعد اتهامه في حزيران 2013 بذبح الراهب فرانسوا مراد في دير الغسانية في ريف حمص. وتفكّكت مجموعته، حيث انضم معظم افرادها إلى «داعش».