ازدادت الأوضاع الساخنة في الكويت حماوةً، مع تسجيل سابقة تَمثّلت في قرار محكمة الوزراء الخاصة سجْن رئيس الوزراء السابق، جابر المبارك الحمد الصباح، مع وزير الدفاع السابق، خالد الجراح الصباح، وآخرين بتهم فساد. إذ اغتنمت المعارضة المناسبة للهجوم على رئيس الوزراء الحالي، صباح الخالد الصباح، ورئيس مجلس الأمّة، مرزوق الغانم، باعتبارهما واجهة الحكم، المسموحِ للمعارضة بانتقادها. غير أن التطوُّر الجديد، الذي يبعث برسالة مفادها أن لا أحد فوق القانون، يصبّ حُكماً في مصلحة القيادة السياسية. فبمجرّد أن يرى الناس رئيساً سابقاً للوزراء من كبار أفراد أسرة الصباح، ومن ذرّية مبارك الكبير التي ينحدر منها أمراء الكويت، خلف القضبان، سيَظهر لهم أن المؤسّسات، ولا سيما منها القضاء، فاعلة تماماً، وذلك بعد أسابيع قليلة على قرار المحكمة الدستورية إبطال عضوية النائب بدر الداهوم، والذي أثار احتجاجُ المعارضة عليه أزمة سياسية حادّة لا تزال تعصف بالبلاد.

اغتنمت المعارضة المناسبة للهجوم على رئيس الوزراء الحالي، صباح الخالد الصباح (أ ف ب )

وبِقَدر ما تُمثّل التطوُّرات الأخيرة فرصة للمعارضة التي تملك حضوراً وازناً في مجلس الأمّة، لتصعيد هجومها على الحكومة، بقدر ما تزيد من مخاطر تورُّط الأولى في وضع حسّاس قد يؤدي بها إلى خسائر إضافية، قضائياً وشعبياً. وجاء قرار المحكمة نفسها بحظر النشر في القضية، لِيَحُدّ بشكل كبير من قدرة المعارضة على الاستفادة منها. وتُعدّ العلاقة بين الأسرة بأجنحتها المختلفة، وبين المعارضة، مثيرة للجدل. ففي كثير من الأحيان، كان أقطاب من الأسرة يقومون بـ»استخدام» معارضين ضدّ أقطاب آخرين، وبالتحديد في تسريب أخبار لهم، سواء صحيحة أو مغلوطة، حول فساد وزراء في الحكومة من منافِسيهم. وقد جرى إسقاط الكثير من المشاريع التنموية في الشارع، بعدما وجدت أجنحة كانت قوية سابقاً في الأسرة، أنها لا تستفيد منها، فعمدت إلى تحريض المعارضة على تأليب الشارع ضدّها. وفي مفاصل أخرى، استخدمت الحكومة المعارضين بعضهم ضدّ البعض الآخر، من خلال تحقيق مطالب لنوّاب تخصّهم أو تخصّ دوائرهم الانتخابية.
ويَطرح سجن المبارك احتمال عودة المعارضة إلى تعويم مطالب مزمنة، مِن مِثل أن يكون رئيس الوزراء من عامّة الشعب، أو أن يتمّ الدمج بين منصبَي رئيس الوزراء ووليّ العهد، لكن احتمالات النجاح في الضغط لتحقيق مثل هذه المطالب، ضعيفة جدّاً. ولا ينصّ الدستور الكويتي على أن يكون رئيس الوزراء من أبناء الأسرة، لكن العُرف جرى على ذلك، وعلى أن يتولّى أفراد من آل الصباح أيضاً الوزارات الأساسية مثل الداخلية والدفاع. وتريد المعارضة إمّا أن يكون متاحاً لها تولّي السلطة التنفيذية من خلال رئيس وزراء «شعبي»، وإمّا إلغاء المسافة بين القيادة السياسية والسلطة التنفيذية بمعناها المباشر، والمتمثّلة في الحكومة، من خلال دمج منصبَي رئيس الوزراء ووليّ العهد، بما يتيح لها تصعيد المعارضة المباشرة ضدّ القيادة السياسية.
تُعدّ العلاقة بين الأسرة بأجنحتها المختلفة وبين المعارضة مثيرة للجدل


الجناح الآخر الذي تُصوّب عليه المعارضة النيابية باعتبارها مُمثِّلة لأبناء القبائل، ولو بعناوين سياسية مختلفة، هو طبقة كبار التجّار من الحضر. وأبرز مُمثّليها اليوم مرزوق الغانم، الذي احتلّ والده علي الغانم لفترة طويلة منصب رئيس «غرفة تجارة وصناعة الكويت»، بينما خالُه هو رئيس مجلس الأمّة الراحل جاسم الخرافي، وشقيق رجل الأعمال الراحل أيضاً ناصر الخرافي. وحاول بعض المعارضة تحميل «المُكوّن الشيعي» الكويتي مسؤولية بقاء مرزوق الغانم وصباح الخالد في منصبَيهما، إذ غرّد النائب السابق، ناصر الدويلة، قائلاً إنه «لا بدّ لشيعة الكويت من الانضمام إلى الحراك الوطني، فبدونهم لا يبقى أيّ تأثير للمرزوق ولا لحكومة صباح الخالد، وبأصواتهم يُنتهك الدستور ويتمّ العبث بإرادة الأمة. ولا يمكن لأيّ حزب أو كتلة وطنية أن تقوم بالدور الذي يؤدّيه حزب الله». وتَوجّه إلى النائب عدنان عبد الصمد بالقول: «عيب يا سيد عدنان عيب. هذا موقف يسيء للطائفة وسينعكس عليكم تاريخياً»، في إشارة إلى تصويت النوّاب الشيعة لمصلحة حكومة الخالد في مجلس الأمّة، وقبل ذلك اختيار مرزوق الغانم رئيساً للمجلس الذي انتُخب في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
وعلى رغم حظْر النشر، علّق الكثير من المعارضين على وسائل التواصل الاجتماعي على القضية، حيث شنّوا حملة على رئيسَي الوزراء ومجلس الأمّة، داعين إلى أن يكونا التاليَين اللذين يتمّ عزلهما، ومطالبِين بوقْف ما سمّوه «نهب الديرة». وشَبّه بعض الكويتيين، على سبيل النكتة، سجْن جابر المبارك بسجْن حسني مبارك، بينما تندّر آخرون بالقول إن جابر المبارك يقبع حالياً في «الريتز السالمية»، في تشبيه مع «الريتز كارلتون ــــ الرياض»، حيث احتَجز محمد بن سلمان العشرات من أفراد أسرة آل سعود ورجال الأعمال. وتبرز هذه القضية بينما لم يمضِ سوى أسبوعين على أداء حكومة صباح الخالد الجديدة اليمين الدستورية، خلال جلسة لمجلس الأمّة انعقدت بعد مواجهة شرسة مع المعارضة على خلفية إبطال عضوية الداهوم، وشهدت اشتباكاً بالأيدي بين نواب المعارضة ونواب الموالاة. وكان النائب يوسف الفضالة قد استقال الأسبوع الماضي، احتجاجاً على ما وَصفه بـ»انتهاك اللوائح التنظيمية» في جلسة الـ 30 من الشهر الفائت، باعتماد علَنية التصويت.
أمّا في ما يتعلّق بالتهم الموجّهة إلى جابر المبارك وخالد الجراح وآخرين، فتتعلّق بعمليات اختلاس تصل إلى نحو 800 مليون دولار في «صندوق الجيش» الذي تأسّس مع الجيش في عام 1950، بهدف منْح قروض للجنود الكويتيين، ثم تَوسّع وصارت له حسابات في الخارج، وتحديداً في بريطانيا. وبدأت القضية تتكشّف في عام 2019، حين تولّى وزارةَ الدفاع، الابن الأكبر للأمير السابق، ناصر صباح الأحمد، وصار يمتنع عن حضور جلسات الحكومة، بعدما تشنّجت العلاقة بينه وبين كلٍّ من جابر المبارك وخالد الجراح، إلى أن قَدّم ناصر الصباح، الذي تُوفّي في كانون الأول الماضي، بلاغاً للنائب العام في القضية، فتدخّل الأمير الراحل صباح الأحمد، وأخرج كلّاً من جابر المبارك وخالد الجراح وابنه ناصر من الحكومة. وحين استقبل الأمير السابق، جابر المبارك، لقبول اعتذاره عن عدم تأليف حكومة أخرى، قال له «انت ثوبك نظيف»، وهي الجملة التي استند إليها رئيس الوزراء السابق أمام المحكمة لنفْي التهم المنسوبة إليه، لكن لجنة التحقيق التابعة لمحكمة الوزراء قرّرت سجنه لمدّة أسبوعين بعد استجوابه، ورفَضت رفْع منْع السفر عنه لكي يغادر إلى الخارج للخضوع للعلاج من مرض السرطان، وقرّرت إيداعه المستشفى الأميري تحت حراسة مشدّدة. أمّا خالد الجراح، فهو محتجز في السجن المركزي بالفعل، وقد اقتيد من السجن إلى المحكمة أول من أمس وأعيد إليه. ومن المقرّر أن تُعقَد الجلسة المقبلة للمحكمة في الـ 27 من نيسان/ أبريل الجاري.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا