تُعدُّ مدينة الرقّة من المدن السورية التي شهدت نهضة عمرانية لافتة في سنوات ما قبل الحرب، في ظلّ محاولات حكومية مستمرّة، آنذاك، لرفع مستوى الخدمات وتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية. وفي وقت كان فيه السكّان يلحظون تطوُّر النهضة العمرانية لمدينتهم، باغتَتْهم الحرب سريعاً، لتتحوّل الرقة الوادعة إلى عاصمة لـ»دولة الخلافة»، وموطئ قدم لأعنف إرهابيّي العالم. هكذا، كانت «درّة الفرات»، التي ظلّت لأشهر بعيدة عن دائرة العنف، أوّل مركز محافظة يخرج عن سيطرة الدولة السورية في آذار من عام 2013، قبل أن تصبح لاحقاً ساحة صراع بين مختلف الفصائل المسلّحة. وخاض الجيش السوري، حينها، معارك ضارية مع الفصائل، وسط صمود أسطوري أظهرته قطعه العسكرية في قيادة «الفرقة 17» عند مدخل المدينة، ومطار الطبقة العسكري، و»اللواء 93» في مدينة عين عيسى، للحفاظ على وجود الدولة السورية. لكن تضخُّم الدعم العسكري للمهاجِمين أجبر الجيش على الانسحاب.

يشرح أبو منصور، ابن الرقّة التي نزح عنها إلى الحسكة لاحقاً، الظروف التي عاشتها مدينته خلال الأشهر الأولى من اندلاع الحرب، والتي فتحت على تحوُّل استراتيجي في مسار الأحداث. يقول الرجل، لـ»الأخبار»، إن «المدينة لم تشهد احتجاجات، وتَحوّلت إلى ملاذ آمن لكثير من الهاربين من المعارك من محافظات حلب وحماة ودير الزور وغيرها»، معتبراً أن «هناك مَن دفع المال الوفير لكي تسقط الرقة، وتكون بداية المشروع لإسقاط الدولة السورية... وهو ما تَأكّد لاحقاً من خلال الأحداث التي شهدتها المدينة طوال الفترة الماضية». ويصف أبو منصور، ليلة سقوط المدينة بيد الفصائل المسلّحة في الرابع من آذار من عام 2013، بـ»المفاجأة المريعة لكثير من السكّان»، مستذكراً بأن «الأهالي توقّعوا أن تعود الدولة إلى المدينة خلال فترة قصيرة، إلا أن اشتداد المحنة على البلاد جعل سكّانها يدفعون ثمناً غالياً، وتحوّلت مدينتهم إلى كتلة من ركام». وبعد سيطرة الفصائل المسلّحة على الرقّة، شهدت المدينة تسارعاً للأحداث، حَوّلها خلال عام إلى عاصمة لـ»داعش»، ومركز متقدّم لاستقطاب إرهابيّي التنظيم من حول العالم، باستغلال الحدود والتسهيلات التركية الواسعة. بعد ذلك، وعلى مدار أكثر من 1000 يوم، أضحت الرقّة ساحة للقصف اليومي والعنيف لـ»التحالف الدولي» بقيادة واشنطن، ما خلّف فيها دماراً بنسبة 90%، مع آلاف الضحايا من المدنيين.

كانت المدينة مركزاً متقدّماً لاستقطاب إرهابيّي «داعش» من حول العالم


ويرى أبو عبد الله، الذي لم يغادر المدينة إلّا لأشهر قليلة، قبل أن يعود إليها مع سيطرة «قسد» عليها في نهاية عام 2017، أن «الدمار الأكبر للمدينة حصل خلال الشهرين الأخيرين من حملة التحالف الأميركي عليها». ويروي، لـ»الأخبار»، أنه كان «شاهداً على القصف الذي استهدف كلّ البنى التحتية والخدمية، بشكل ممنهج، ما أدّى إلى تدمير كلّي للبنى التحتية، وألحق الضرر والدمار بغالبية المباني السكنية». ويلفت إلى أن «أطناناً من القنابل والصواريخ أُلقيت على الرقّة في فترة قصيرة، حوّلتها إلى مدينة منكوبة تشبه الصور التي كنّا نشاهدها في هيروشيما اليابانية». ويضيف ابن حيّ الرميلة إن «نحو ربع سكّان المدينة مِمّن كانوا يقطنونها قبل الحرب، عادوا إليها على أمل أن يعوّض التحالف الدولي الأهالي، ويساعدهم في إعمار مدينتهم، لكن هذا ما لم يحصل أبداً». ويؤكد أبو عبد الله أن «التحالف ارتكب جرائم حرب بحق الرقّة وأهلها، وترَكها مدينة من ركام». وعلى رغم أن الكثير من الصحافيين الأجانب الذين زاروا المدينة خلال فترة هجوم «التحالف» عليها، رجّحوا أنها لن تكون صالحة للعيش لسنوات طويلة مقبلة، إلّا أن أهالي الرقة لا يزالون يتحدّون كلّ تلك التوقُّعات، ويحاولون إعادة بناء منازلهم، على أمل تجاوُز الذكريات السوداء التي عاشتها مدينتهم، طوال السنوات الماضية. وبالفعل، شهدت المدينة خلال العام الفائت عودةً ملحوظة للكثير من سكّانها الذين أعادوا ترميم منازلهم، مع تجدُّد جزئي للنشاط الاقتصادي والتجاري والزراعي فيها.
وتَصِف أم إبراهيم واقع الرقّة الحالي بأنه «صعب في ظلّ الغلاء الكبير الذي تشهده المدينة»، مستدركةً بأن «تمسّك الأهالي بالحياة دفع الكثيرين منهم إلى إعادة ترميم منازلهم المدمّرة، من دون أيّ مساعدة من أحد»، مضيفة: «وحدها بعض المنظّمات الدولية والأهلية شجّعت السكّان على العودة من خلال إزالة الأنقاض، وفتح الطرقات، ورفع الجثث من بين الركام». وتروي السيّدة، لـ»الأخبار»، أنها «بقيت أسبوعاً كاملاً لا تستطيع النوم بعد عودتها إلى المدينة، كونها كانت تنام في غرفة لم يطلها الدمار في منزلها المدمّر والمحاط برائحة الدماء من كلّ مكان». وتختم حديثها بالقول: «لم نكن نتمنّى أن ترى الرقّة كلّ هذا الألم والأسى، لكنه قدر مكتوب عليها»، متمنّية أن «تنتهي الحرب، وتعود الرقّة مدينة تعيش حياتها الهادئة على ضفاف نهر الفرات، بعيداً عن أيّ صراعات سياسية أو عسكرية»، معبّرة عن تفاؤلها «بالأنباء المتداولة عن اتفاق قريب بين قسد والدولة السورية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا