الحسكة | شكّل إعلان الرئيس بشار الأسد، في 8 آذار 2011، انطلاق العمل بمشروع جَرّ مياه دجلة إلى محافظة الحسكة، إيذاناً ببدء أكبر المشاريع الاستراتيجية للبلاد في القرن الجديد. فالمشروع، الذي مَثّل أملاً كبيراً لسكّان الجزيرة السورية، كان يُنتظر منه إنهاء موجة الجفاف التي سبقت الحرب، وتسبّبت في نزوح مئات العوائل من ريف الحسكة الجنوبي باتجاه ريف العاصمة دمشق والمحافظات الوسطى والجنوبية، بحثاً عن لقمة العيش، بعدما أتى القحط على خصوبة أراضيها الزراعية. وكان سكّان الحسكة على موعد مع عام 2015، بحسب الجدول الزمني لتنفيذ المشروع، حتى يعود الغطاء الأخضر إلى جزيرتهم، بعد جفاف نهرَي الخابور والجغجغ مع نهاية الألفية الماضية. لكن لسوء حظّ الأهالي، انطلقت شرارة الأحداث الدامية في سوريا بعد أسبوع واحد فقط من انطلاق المشروع، ما أدّى إلى خروجه سريعاً من الخدمة، على إثر مغادرة الشركة الروسية المكلّفة بتنفيذه، هرباً من الحرب.

وعلى رغم تأخُّر وصول الحرب إلى محافظة الحسكة، حتى نهاية العام 2012، مع دخول الفصائل المسلّحة إلى مدينة رأس العين، إلا أن آثارها كانت واقعة على غالبية سكّان المنطقة منذ ما قبل ذلك التاريخ؛ إذ شهد خزّان البلاد الزراعي تراجعاً مخيفاً في المساحات المزروعة، وصل إلى مستويات قياسية لم تشهدها المنطقة منذ عشرات السنين، بسبب الشحّ التدريجي في مستلزمات الإنتاج الزراعي من بذار وأسمدة ومحروقات وكهرباء، إضافة الى شحّ مصادر المياه، ووقوعها أخيراً بأيدي الفصائل المسلّحة الموالية للاحتلال التركي، وهو ما خلق أزمة مياه حادّة، عانى منها السكان خلال العامين الأخيرين.
وكان من شأن مشروع دجلة، لو دخل حيّز العمل، أن ينعش الجزيرة السورية اقتصادياً واجتماعياً، لجهة مضاعفة المساحات الخضراء، وزيادة الثروة الحيوانية، وتوفير مياه الشرب، وإمكانية استخدام المياه لتوليد الطاقة، ما سيخلق استقراراً واسعاً لأكثر من نصف سكّان المحافظة من قاطني الأرياف. ومع تعطيل الحرب تنفيذ المشروع، حاولت وزارة الموارد المائية إعادة إحيائه، من خلال تعاقد الهيئة العامة للموارد المائية في وزارة الموارد المائية السورية مع شركة "ستروي ترانس غاز الروسية" لتنفيذ المرحلة الأولى، بما يتضمّن إقامة محطّة الضخّ الرئيسة وأنابيب الدفع في منطقة عين ديوار في أقصى شمال شرق المحافظة، بكلفة تقديرية تصل إلى 30 مليار ليرة سورية، وكلفة إجمالية بلغت نحو مليارَي دولار. إلا أن الظروف الميدانية والاقتصادية في الحسكة أعادت تعطيل المشروع، هو ما أدّى إلى إدامة معاناة السكّان.

مشروع جرّ مياه دجلة كان سيحقّق وفرة في مياه الشرب والريّ لمدينتَي الحسكة والقامشلي وأريافهما


يقول مدير الموارد المائية السابق في الحسكة، عبد الرزاق العواك، في حديث إلى "الأخبار"، إن "مشروع جرّ مياه دجلة حيوي بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني في كلّ البلاد وليس فقط للحسكة، التي تُعدّ العاصمة الزراعية للبلاد". ويعيد ذلك إلى كونه سيؤدي إلى "تحقيق الاستقرار الزراعي والمائي وزيادة المساحات المزروعة في المحافظة، مع توفير فرص عمل واستثمار فيها"، مؤكداً أنه "كان سيعيد الحياة إلى شبكات نهر الخابور، مع توفير فرص لمشاريع سياحية، وأخرى تتعلّق بالإنتاج الحيواني والصناعي". ويلفت العواك إلى أن "الأهمية الاستراتيجية لمشروع دجلة لا تقلّ عن أهمية مشروع سدّ الفرات، لجهة المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي كان سيُحققها"، مُبيّناً أنه "كان سيؤمّن جزءاً من حصة سوريا من مياه دجلة، بمُعدّل تدفّق سنوي يصل إلى مليار و25 مليون متر مكعّب". كما أن تنفيذه كان سيؤدي إلى تغطية العجز المائي في المحافظة، مع توفير المياه لمساحات واسعة من المدن والأرياف التي سيخترقها، من بلدة عين ديوار، وصولاً إلى البصيرة والصور في ريف دير الزور الشمالي.
ويوضح مدير المياه في الحسكة، محمود العكلة، بدوره، في تصريح إلى "الأخبار"، أن "مشروع جرّ مياه دجلة - لو نُفّذ اليوم - فسيحقّق وفرة في مياه الشرب، ويؤمّن المياه لمدينتَي الحسكة والقامشلي وأريافهما، مع تغطية التجمّعات السكّانية بين القامشلي والمالكية". ويضيف العكلة أن "تدفُّق مياه النهر يبلغ 4,5 أمتار مكعّبة في الثانية، وهو ما يوفّر نحو 125 ألف متر مكعّب من مياه الشرب للمحافظة، بما يسهم في إنهاء أزمة مياه الشرب في كامل جغرافيتها". كذلك، سيتيح المشروع توفير مياه الريّ لآلاف الهكتارات، ما سيساعد السكّان على التنويع في زراعاتهم، وتحقيق مصادر دخل عالية، من خلال الزراعات الصيفية والشتوية، بالاستفادة من مياه دجلة. وهنا، يؤكد مدير الزراعة في الحسكة، رجب السلامة، لـ"الأخبار"، أن المشروع "سيُدخل مساحة تُقدّر بما بين 150 و200 ألف هكتار في المساحات المرويّة، ما سيرفع نسب الإنتاج في المحاصيل الاستراتيجية من قمح وشعير وقطن وبقوليات، بشكل ملحوظ، إضافة إلى التوسُّع في زراعة الخضروات والأشجار المثمرة". كما أنه "سيوفّر آلاف فرص العمال، وخاصة لمناطق جنوب الردّ في بلدات تل براك وتل حميس وصولاً إلى الريف الجنوبي للحسكة"، متابعاً أنه "سيَفتح المجال أيضاً لافتتاح معامل إنتاج الألبان والأجبان والبقوليات، مع توقُّعات بتضاعف أعداد الثروة الحيوانية، التي تعيش على الغطاء النباتي". كذلك، يلفت العكلة إلى أن "توافر كميات كبيرة من المياه سيتيح إمكانية الاستفادة منها في توليد الطاقة الكهربائية، ما سيؤسّس لبنى تحتية كهربائية لكامل المنطقة".

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا