السليمانية | شكّل قرار مجلس وزراء «إقليم كردستان»، القاضي بصرف رواتب موظّفي القطاع العام عن شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي باستقطاعٍ بلغ مقداره 21 في المئة، فتيلاً لانفجار سرعان ما وقع. إذ ما هي إلا ساعات على صدور القرار حتى لاحت ألسنة اللهب من ناحية بيره مكرون، شمال محافظة السليمانية (تُعدّ الناحية إحدى وحدات التقسيم الإداري في البلاد، وهي تضمّ مدينة وبعض البلدات والقرى المحيطة بها). وأضرم المحتجّون النيران في مقارّ الأحزاب السياسية الكردية الخمسة، احتجاجاً على التدهور المستمرّ في الأوضاع المعيشية منذ أشهر، بفعل تأخير صرف الرواتب والاستقطاعات التي طالتها، حتى وصلت الحال بحكومة «الإقليم» برئاسة مسرور بارزاني (نجل الزعيم مسعود بارزاني) إلى أن تدفع رواتب 4 أشهر فقط في سنة واحدة (2020). سريعاً، انتقلت شرارة الغضب بين المواطنين، بدءاً من بيره مكرون، مروراً بمناطق سيد صادق وچمچمال ودربندخان وكلار وبازيان، وليس انتهاءً بمدينة السليمانية مركز المحافظة. وقوبلت تلك الاحتجاجات المتنقّلة بعمليات قمع على يد القوات الأمنية، أسفرت عن مقتل 3 أشخاص (أحدهم لم يتجاوز الـ 15 من عمره) وجرح آخرين.

وتُعزى جذور الأزمة الحالية إلى النهج المتّبع من الحزبَين الكرديَّين الحاكمَين: «الحزب الديموقراطي الكردستاني» (بزعامة مسعود بارزاني) و«الاتحاد الوطني الكردستاني» (أبناء الراحل جلال طالباني ورفاقه) في حكم «الإقليم»، واعتمادهما مبدأ تقاسم «كعكة» المراكز. أحكم الحزبان قبضتهما على موارد «الإقليم» الطبيعية وعوائدها المالية لتمويل توسعة نفوذهما. كما احتكرا الوظائف العامة ذات الدخل المرتفع لقواعدهما الشعبية الناخبة، فضلاً عن سيطرتهما الكاملة على المشاريع الاستثمارية كافة في القطاعين العام والخاص. ونتيجةً لهذه الاستراتيجية، تدهورت أوضاع «الإقليم» مع أول خلاف سياسي بين حكومته وحكومة بغداد عام 2014، حول حدود صلاحيات «كردستان» الداخلية والخارجية في إطار الدولة العراقية (يمكن القول إن العلاقة بين المركز و«الإقليم» مرّت بثلاث مراحل؛ بدءاً من تأجيل تنفيذ المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها عام 2007، ثمّ نقض اتفاقية أربيل عام 2010، فسقوط مدينة الموصل بيد تنظيم «داعش» عام 2014، ومحاولة «الإقليم» الانفصال بعد مجيء حيدر العبادي. أمّا أبرز صور التوتر فكانت عام 2014، حيث انهارت الترتيبات بين الطرفين، وخاصة الترتيب الاقتصادي المتمثّل في حصة «الإقليم» من الموازنة).
ونالت محافظة/ مدينة السليمانية النصيب الأكبر من تداعيات تلك الاضطرابات؛ نتيجة تعدّد الأحزاب فيها، والمعارضة القوية لنفوذ «الاتحاد الوطني»، إضافة إلى استفحال الفساد بفارق كبير عن باقي محافظات «الإقليم»، بسبب «المافيات» التي تفرض الإتاوات على المستثمرين ورجال الأعمال، وتطالبهم بنسبة من أرباحهم، وهذا ما لم ينفه الرئيس المشترك للحزب بافيل طالباني، حين أعلن في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي تشكيل لجنة للتحقيق في ضلوع عدد كبير من «رجال المافيا» في أعمال «قذرة»، على حدّ وصفه، متعهّداً باعتقالهم ومحاسبتهم لإنهاء هذه الظاهرة.

نالت محافظة/ مدينة السليمانية النصيب الأكبر من تداعيات الاضطرابات السياسية


وبالعودة إلى رواتب الموظفين، فقد اقتطعتها بغداد من حصة «الإقليم» في الموازنة العامة للبلاد (بلغت نسبة هذا الاقتطاع من 17 في المئة إلى نحو 12.67 في المئة)، ما أدّى إلى عجز أربيل عن الدفع لشريحة كبيرة من موظّفيها بانتظام. ومنذ تولّي عادل عبد المهدي رئاسة وزراء العراق، ومن ثم تسنّم مصطفى الكاظمي المنصب، أطلقت أربيل سلسلة حوارات ومفاوضات مع بغداد سعياً للوصول إلى اتفاق يرضي شروط الأخيرة، والمتمثّلة في تسليم واردات 250 ألف برميل نفط يومياً، إلى جانب الإيرادات المالية للمنافذ الحدودية، وهيكلة قطاع الموظفين الحكوميين لمعالجة معضلة «الرواتب المزدوجة». إذ يبلغ إجمالي رواتب موظفي «الإقليم» قرابة 894 مليار دينار عراقي/ شهرياً (نحو 75 مليون دولار أميركي)، وفقاً لتقديرات حكومية، في حين تؤكد حكومة أربيل تسلّمها أقلّ من نصف المبلغ بنحو 453 مليار دينار.
ويؤكد النائب الكردي السابق في البرلمان العراقي، عادل نوري، أن «لدى أربيل واردات تكفي لانتظام سداد الرواتب، ولا سيما تلك التي تأتيها من الضرائب والمنافذ وبيع النفط»، مضيفاً في حديثه إلى «الأخبار» إنه «على رغم انعدام الشفافية التي تعتري عمليات بيع النفط، فإننا نقدّر أن ما يجنيه الإقليم من جراء ذلك يصل إلى قرابة 450 مليار دينار شهرياً». ويشير نوري إلى جرأة الحزبين الحاكمين في استخدام حرمان المواطنين كـ«ورقة ضغط» للتأثير على بغداد في المفاوضات القائمة، بمساعدة سلسلة منظّمة من الخطابات والرسائل تُبثّ عبر الإعلام، وتحمّل الحكومة الاتحادية مسؤولية ما يجري.
في المقابل، بدا أن ثمّة تخبّطاً في موقف «الديموقراطي» تجاه الأحداث الأخيرة منقسماً. على المستوى الرسمي، رأى رئيس حكومة «الإقليم» أن الوضع «صعب» وخارج عن إرادة حكومته، متهماً أطرافاً لم يحدّدها بالسعي لتخريب استقرار «كردستان»، في إشارة منه إلى بغداد التي قد تستغلّ الأحداث الحالية لنيل الأفضلية في المفاوضات الجارية، وهو ما أجبر حكومته على اتخاذ قرارات سريعة وطارئة، إذ قرّر لأوّل مرة إرسال وفدين، أحدهما سياسي والآخر حكومي إلى العاصمة الاتحادية، على أمل التوصل إلى اتفاق عاجل في ما يخص موازنة 2021، يضمن حلحلة الأزمة الاقتصادية.
أمّا الموقف غير الرسمي، والذي يخرج على لسان عدد من أعضاء الحزب وكوادره، فقد وجّه أصابع الاتهام إلى جهتين: الأولى تيار في «الاتحاد» مناوئ لاستحواذ «الديموقراطي» على مفاصل السلطات التنفيذية والتشريعية، وساعٍ إلى تطبيق اللامركزية الإدارية في محافظتَي السليمانية وحلبجة؛ أمّا الجهة الثانية فهي «حزب العمال الكردستاني» (PKK) الذي يعمل على إشعال فتيل الاحتجاجات عبر التحريض بصورة غير مباشرة، مستخدماً وسائل إعلام مؤثرة ومتعاونة معه، وفقاً للاتهامات المتداولة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا