القاهرة | مع وصول المسارات الأممية في الأزمة الليبية إلى طريق مسدود، على خلفية الإخفاق في الحوارات التي ترعاها الأمم المتحدة، سواء في «ملتقى الحوار» أو بين النواب، تتزايد التحرّكات الدولية على خطّ الأزمة، وآخرها التنسيق المصري ــــ الفرنسي لدعم قوات خليفة حفتر في حال عودة الصراع العسكري مع حكومة «الوفاق الوطني»، على رغم أن الأخيرة بدأت منذ أسابيع فتح قنوات اتصال مع القاهرة من أجل تقريب وجهات النظر، لكن هذا التقارب بات غير مرحّب به تركيّاً.

هذه المرّة، تنسّق القاهرة مع باريس كي تُظهر الأخيرة انحيازاً إلى حفتر، سواء سياسياً أو عسكرياً، لأن المطلوب من وجهة النظر المصرية هو إظهار موقف فرنسي داعم بقوة لحفتر، كون الأخير يحارب أنقرة، «الخصم العتيد» لباريس في ملفات إقليمية أخرى. وفي الوقت نفسه، تُعزّز القاهرة دورها في ليبيا بصورة كبرى بصفتها طرفاً فعّالاً ومؤثراً لدى الأوروبيين، وذلك تمهيداً للقيام بدور أكبر خلال المرحلة الانتقالية، وأيضاً بما يمهّد لتعاون اقتصادي مع النظام الجديد في ليبيا، مع آمال بأن يوفر ذلك فرصاً للعمالة المصرية وعائدات اقتصادية من الاستثمارات التي يمكن ضخّها ضمن مشاريع مشتركة. وبينما زار حفتر القاهرة وسافر منها إلى باريس لمناقشة التطورات الميدانية، يجري في المقابل تنسيق تركي مع رئيس المجلس الأعلى لـ«الوفاق»، خالد المشري، ووزير الداخلية في طرابلس، فتحي باشاغا، فحواه التشديد على أن أيّ خطوات للتقارب مع البرلمان المنعقد في طبرق يجب أن تكون على أساس بقاء الاتفاقات الموقعة خلال المدة الماضية سارية، على الأقلّ خلال المرحلة الانتقالية.

لم يعد تقارب «الوفاق» مع القاهرة مُرحّباً به لدى أنقرة


على خطّ موازٍ، تواصل قوات حفتر حالة الاستنفار، وخاصة أنها احتجزت قبل أيام سفينة تجارية تركية ترفع علم جامايكا، قالت إنها دخلت المياه الإقليمية قبالة سواحل رأس الهلال في الجبل الأخضر، وإنها كانت متّجهة نحو ميناء مصراتة ولم تستجب للنداءات المُوجّهة إليها، ثمّ بعد تفتيشها تبيّن أن على متنها تسعة بحارة أتراك من دون أسلحة. لكن قوات حفتر تعتقد أن تركيا تدفع بسفن عدّة نحو مصراتة، مع إجرائها مناورات لإخفاء ما تحتويه بعضها، وهو ما يثير الشكوك في دخول سفن تحوي معدّات عسكرية. وهذه السفينة هي الثانية التي يكون على متنها أتراك ويجري تفتيشها قرابة السواحل الليبية في أقلّ من أسبوعين. وقد خضعت السفينة الأولى لتفتيش من فرقاطة أمنية بموجب العملية «إيريني»، مع الاستمرار في رصد آليات تركية في المياه الدولية بالقرب من ليبيا، ما يوحي بأن هناك تخطيطاً للتحرّك نحو الهلال النفطي، وتحديداً خليج سرت الذي تتمركز فيه موانئ التصدير. وعلى رغم استقرار معدّلات الإنتاج والتصدير للنفط، ثمّة استنفار عسكري واضح مرتبط بمخاوف من اشتباكات دامية بين «الوفاق» وحفتر، ولا سيما مع استمرار الحشد وبوادر انهيار الهدنة المتّفق عليها، وسط غياب التدخل الدولي للاستمرار في المفاوضات لتشكيل سلطة انتقالية تستمرّ لعام تقريباً.
على مستوى البرلمان، يتواصل الجدل مع وصول النواب لعقد جلسة لهم في غدامس، على رغم دعوة رئيس البرلمان، عقيلة صالح، إلى عقد الجلسة في بنغازي، وهي الدعوة التي لم تتمّ تلبيتها. وبينما كان يمكن أن تنعقد جلسة موحّدة أمس للمرة الأولى منذ 2014، أثار عدد من النواب أزمة مرتبطة بشرعية انعقاد المجلس من دون رئيسه حتى مع اكتمال النصاب، فضلاً عن مكان الانعقاد، ما دفع خمسين نائباً إلى الانسحاب ليتعثّر اكتمال النظام. وجاء انسحاب النواب المحسوبين على صالح بعد تعارض الفتاوى القانونية، بين مَن يرى انعقاد جلسة باكتمال النصاب في أيّ مكان، ومَن يرى ضرورة الدعوة المسبقة في موقع محدّد ومتوافق عليه من رئاسة المجلس التي تعيق حتى اليوم الانعقاد خوفاً من مناقشة استبعاد صالح، الراغب على الأقلّ في الاحتفاظ بموقعه خلال المرحلة الانتقالية حتى إجراء الانتخابات التي أعلنت الأمم المتحدة نية إجرائها في كانون الأول/ ديسمبر 2021.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا