أنْهِ الأخطار الأمنية، الليلة، ستجد السوريين، غداً، في الشوارع والساحات، يحتفلون ويهزجون بنهاية مأساة سُمّيت «ثورة». التجمعات الشعبية السورية التي بدأنا نشاهدها، مؤخراً، هي تلك المؤيدة للجيش العربي السوري والرئيس بشار الأسد. ستقولون لي انها تجمّعات صمّمها ونسّقها النظام؟


ليكن؛ فمعنى ذلك أنه عاد يتمتع بهذه القدرة، أقله في المناطق الآمنة. الاحتجاج الشعبي انتهى منذ زمن بعيد، ليس لأن مطالب التغيير تم انجازها، ولكن لأن الأحداث تجاوزتها إلى تمرد مسلّح طائفي الهوية ورجعي المضمون وانتحاري الأهداف. هذا التمرّد ــــ الذي جيّشته وموّلته وسلّحته وأمدّته بمجاميع الإرهابيين، قوى أجنبية معادية لاستقلال الدولة السورية ونهجها ــــ انتهى بالسير نحو المصالحات المحلية، وتمّت هزيمته عسكرياً؛ إعلان تلك الهزيمة، رمزياً، جرى برفع العلم السوري على قلعة الحصن.
في الموازاة، بدأ عدوَّا سوريا، المتخاصمان: السعودية والحلف التركي ــــ القطري ــــ الإخواني، يستعدان للمرحلة التالية، الغزو الخارجي الصريح! المشروع السعودي متعثّر لأسباب عدة، منها التذبذب الأميركي وبطء الآلة السعودية وتعقيداتها والحسابات الأردنية التي تنطوي على ميول النأي بالنفس. في المقابل، يملك الحلف التركي الاردوغاني الإخواني، الدينامية والقدرات العسكرية والبشرية والحدود والحاجة؛ فبادر إلى «غزوة الأنفال» في كسب.
تملك تركيا، عناصر السبق في المنافسة مع السعودية: (1) الضوء الأخضر الأطلسي ربطاً بصراع الحلف الغربي مع روسيا في أوكرانيا ــــ وسنذكّر، هنا، بأن هذا الربط له طابع مباشر؛ فالولايات المتحدة عرضت، والاتحاد الروسي رفض استبدال أوكرانيا بسوريا ــــ (2) التمويل القَطري ودعم التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، (3) القدرة العسكرية للجيش التركي و«مشاته»من إرهابيي «النصرة» وسواها من التنظيمات الإرهابية من المقاتلين الشيشان والقوميات الأخرى، (4) الحاجة الملحة للأردوغانية للتغلّب على التحديات السياسية الداخلية، (5) ... وينبغي أن نضيف، في الختام، الفرصة اليائسة للنزعة العثمانية والحركة الإخوانية، لاسترداد موقعهما الإقليمي عبر النجاح في تغيير موازين القوى في سوريا لمصلحتهما؛ بذلك، لا يعود الاجتماع التركي الأمني المسرّب حول التدخل في سوريا، مفاجئاً.
العدوان بدأ عنيفاً، وواجه رداً باسلاً. الحرب مستمرة، والعدوان الأردوغاني الإرهابي بلا أمل؛ فلا القدرة العسكرية السورية معطلة، ولا الصمت الروسي ــــ الإيراني ممكن، إنما، الأهمّ، هو الاستنتاجات السياسية حول الحدث. وسنعرضها، تالياً، بلا رتوش، وبصراحة بلا حدود.
أولا، «غزوة الأنفال» ليست حدثاً داخلياً بأي معنى من المعاني؛ إنها عدوان أجنبي صريح، قراراً وإعداداً وتخطيطاً وقدراتٍ وعسكراً؛ واقع دفع بـ «هيئة التنسيق» السورية المعارضة، إلى إدانة هذا العدوان. إنما، لسوء الحظ، لم تحرّك قوى وجماهير عربية أساسية، ساكناً إزاء العدوان على بلد عربي. لو حدث هذا العدوان سنة 2010، لكانت ردة الفعل الجماهيرية العربية على أنقرة، عنيفة؛ إنما الآن، بعد سنوات الربيع الطائفي العربي، انقلبت الموازين؛ فالأتراك والشيشان الغزاة مرحّبٌ بهم طالما هم يخوضون حرباً طائفية، وأين؟ في معقل طائفي مضادّ! ولا يقتصر الأمر على الدعوات للأتراك بالنصر بالنسبة للأكثر طائفية ووقاحة، بل يمتد إلى الصمت والمباركة لدى الأوساط الأكثر تحضّرا.
السُنّة هم عمود الأمة العربية، وحين يعتمد قسم رئيسي منهم، أولوية الطائفة على أولوية العروبة، تغدو العروبة في خطر ماحق؛ ففي الشرق الأوسط، نلاحظ أن التسنن لا يلغي أولوية الأمة التركية، ولا حتى الكردية، بينما لا يتعارض التشيّع مع القومية الفارسية، بل يخدمها كأنهما شيء واحد، بينما تحوّل العرب إلى مجرّد طوائف. ألا يحتاج هذا الواقع المرير إلى صحوة سنية ــــ عروبية؟
ثانياً، تنطوي تركيا على ميول استراتيجية معادية للعرب ـــ كما للأكراد والأرمن والفرس ـــ وتتخطى هذه الميول، الأيديولوجية المسيطرة فيها؛ فسواء في العهود العلمانية أم في العهد الإسلامي الإخواني، كان الخطر الجيوسياسي التركي على سوريا والعراق، ولا يزال، قائماً وفاعلاً.
ثالثاً، التنظيم الدولي للإخوان المسلمين قوة رجعية طائفية لا وطنية، معادية للأوطان العربية وللقومية العربية. ولم يعد هناك أي مسوّغ للتعاطي مع هذا التنظيم ـــ وفروعه ـــ إلا كأداة عثمانية أطلسية. وهكذا، وعلى رغم كل الملاحظات التي يمكن سوقها ضد النظام العسكري في مصر، فإن مصلحة الحركة الوطنية التحررية في المشرق، تكمن في دعم القاهرة في حربها ضد الإخوان المسلمين.
رابعا، ... وتثبت «غزوة الأنفال» أنه لم يعد ممكنا الفصل بين «الإخوان» والجماعات التكفيرية الإرهابية؛ فالتداخل الإخواني ــــ التكفيري الإرهابي ليس واضحاً فقط من خلال العلاقات بين حكومة أردوغان و«جبهة النصرة» وأخواتها، وإنما، أيضاً، من خلال تحليل مجمل العناصر الميدانية في الحرب على سوريا.
خامساً، وأخيراً، إذا كان محور المقاومة جاداً في تثوير الساحة الفلسطينية؛ فسيكون عليه أن يضع الاعتبارات الأيديولوجية جانباً، ويخطط لدعم تيارات وطنية علمانية في فتح والجبهة الشعبية والقيادة العامة، وربما قوى جديدة يفرزها المجتمع الفلسطيني الآن.