عبد الرحمن جاسم

يتباهى الفلسطينيون دوماً بالصبّار. هو دأبهم. لم يدرك الصهيوني ذلك قَطّ. فمنذ عام 1948 حينما نزل ركاب الباخرة «إيكوز»، أوائل المستعمرين، ليحتلوا أرضاً قيل إنها بلا شعب، بدأ قلع «الصبّار».
لكن الصبّار فلسطيني، لا يُنزع من أرضه أبداً، ولا يتخلى عن تلك الأرض إلا هامداً.
استعمل الفلاحون الفلسطينيون النبات الشوكي كعلامات قياسٍ أرضية. هكذا كان السكان الأصليون لما يسمى الهلال الخصيب، ومن ضمنهم الفلسطينيون، يميزون أرضهم ويحددونها. في الوقت نفسه، كانت الصبّارة فاكهة لذيذة في أيام القيظ. كل ذلك أنشأ نوعاً من العلاقة الحميمة بين النبات وأصحاب الأرض وعائديها، وهم نفسهم في كل الأحوال. تلك العلاقة التي لا يمكن أن يفهمها عابرٌ سيرحل ولو بعد حين.

وتروي الحكاية أن الإله «منه»، وهو إله الخصب عند «العماليق» السكان الأصليين لفلسطين، حينما عرف أن الصحراء ستبتلع كل شيء، وأنه لن يبقى ماءٌ عذبٌ، لم يجد إلا ابنته «سوجا» الجميلة الخضراء، فأعطاها كل ما في روحه من ماء، لكنه خاف عليها، فحوّل شعرها إلى أشواك تحميها.
هكذا، حفظ الفلاحون الفلسطينيون تلك القصة، وأورثوها لأولادهم.
المحتلون جاء معظمهم من مدنٍ كبيرة، لم يعرفوا عن الأرض الآتين إليها شيئاً سوى أنّ فيها نباتات قالوا إنها تكرههم. هذا ما قاله الحاخام عوفاديا يوسف الذي كتب أكثر من مرّة رسائل تشير إلى أنّ على المحتلين «قلع تلك النباتات «الشريرة» كي يتسنى لشعب «إسرائيل» العيش بأمان». هكذا قال حرفياً. والنباتات الشريرة المقصودة، لم تكن إلا التين والزيتون، وبالتأكيد «الصبّار».
جاء المحتلون، فقلعوا الأشجار، هدموا المنازل قتلوا أصحابها، وفوق ذلك جهدوا لمحو كل أثرٍ من أي نوع يرمز إلى من كان هنا قبلاً. لكن الصبّار، صاحب الأرض، لا يقيم لقوانين المحتلين وزناً، هو يعرف أن هذه الأرض أرضه، لذلك دأب على أن يتحدى المحتل على طريقته. صار يخرج من بين الشقوق كلما سنحت الفرصة، من تحت الأسفلت، من صبّة الباطون، لا شيء يهمه، إنه هنا ليبقى. يحاربونه فيختبئ حيناً، ليعود للنمو في مكانٍ آخر، لكنه لم يترك الأرض قطّ.
جاء الصهيوني بكل أنواع الكيمياويات، كل الوسائل التي يعرفها العالم الحديث، جرّبها، وحاول جاهداً، لكن للعالم القديم طريقته في فرض آرائه على كل شيء، فأصحاب الأرض، لا يهمّ إن كانوا بشراً أو حيواناً أو نباتاً، ينتصرون في الختام.
فكيف يمكنُ عدواً لا يستطيع التغلب على نبتةٍ «بريئة» أن يقتل شعباً بأكمله؟
العائدون أحبوا الصبّار هم أيضاً، كانت كل شرفات المنازل التي سكنها فلسطينيون مسكونة بالصبّار، قلما تجد بيتاً فلسطينياً لا صبّار فيه، حتى نقوش النبات ذي الأشواك الحادة زينت كثيراً من الأثواب الفلسطينية، وخصوصاً تلك القريبة من حدود لبنان. «عسل يا صبير»، «قمر يا صبير» هكذا ينادي أبو محمد بائع «الصبير» في المخيم لبيع النبات الشوكي الجميل. يبيعه منذ ولد، منذ عرف البيع والشراء، هي العلاقة نفسها التي لا تزال تغرّد بين الفلسطيني والنبات الذي لم يعد يزرعه، لكنه يظل يسكنه كما لو أنه جزءٌ من يومياته وحياته.
يشبه الفلسطيني الصبّار تماماً، ويتباهى به. ينمو، يعود. يعود، ينمو.