امون الشيخ

عند السادسة من صباح ذلك اليوم، استيقظت العائلة على انفجار قنبلة داخل الشقة الأرضية من المبنى المكون من أربع شقق، تبعها صوت أحد جنود الاحتلال عبر مكبرات الصوت «آل وشحة، معكم دقيقة وحدة تطلعوا برا».
في مهلة الدقيقة المليئة بالخوف والإرباك والتي يتكرر فيها تهديد الجنود عبر مكبرات الصوت، خرج بعض أفراد العائلة حفاة.
«هو ما بينتظر دقيقة... هو كل 3 ثواني بيرجع بعيد الجملة»، يقول الأب عبد الرحيم.
في الخارج، كان عدد مهول من الجنود المدججين بالسلاح قد انتشروا بآلياتهم على شكل طوق ضخم يسد كل مداخل الطرق المؤدية إلى المنزل الكائن في بلدة بير زيت قرب مدينة رام الله.
اعتدى الجنود على اثنين من أبناء العائلة بالضرب وقيدوهما وغطوا وجهيهما ثم طرحوهما أرضاً، وأخذوا يحققون مع الوالد عن مكان وجود ابنه معتز، وأخبروه بأنهم يعلمون بأنه موجود داخل المنزل.

لثماني ساعات، ظلّت القوات المشتركة من الجيش ومخابرات الاحتلال، تقصف المنزل بصواريخ حارقة وتطلق الرصاص تجاهه. وعلى فترات عملت جرافات على هدم أجزاء منه، كل هذا للوصول إلى معتز، الشاب الأسمر النحيل الذي يبلغ من العمر 25 عاماً، قضى منها أعواماً إما في سجون الاحتلال أو في سجون السلطة الفلسطينية.
بعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، تدافع أقارب معتز وجيرانه إلى المنزل المدمّر، الذي تتعالى منه سحب الدخان، فوجدوا معتز شهيداً غارقاً في دمائه وقد تفتتت أجزاء من جسده الذي زرعه الجنود بعشرات الرصاصات، استقرت اثنتان منها في قلبه الجميل.
اليوم، وبعد مرور شهر على استشهاد معتزّ، ترى المنزل المدمّر _ مع كل ما كان فيه _ على حاله، وعائلة الشهيد تقيم في منزل متواضع شبه خالٍ من الأثاث، لكنه مليء بصور الشهيد معتز على الجدران، «ما عملوا اشي، كل يوم ويوم بيجي فريق من وزارة للسلطة وبيكتب تقرير وبيروح ما بيرجع»، تقول والدة معتز التي كانت تجلس وبجوارها أصدقاء لمعتز يرتدون قمصاناً طبعوا عليها صورته مع عبارة «لن أستسلم لهؤلاء الأنذال» التي قالها عندما دعاه الجنود إلى تسليم نفسه خلال محاصرته وحيداً لساعات.
وتقول والدة الشهيد إن الشقق التي دمرها الاحتلال، كانوا يسكنون في ثلاث منها، أما الرابعة فقد كان يتم العمل على إنجازها وهي لابنها أحمد الأسير المحرر المُبعد إلى ألمانيا قسراً، حيث يبدو أن العائلة التي قضى كل أبنائها سنوات في الأسر لدى الاحتلال وفي السجن لدى السلطة الفلسطينية، تعيش على أمل عودة الابن الأكبر أحمد من منفاه في يومٍ ما.
وعائلة الشهيد معتز وشحة لم تخسره هو فقط، بل خسرت منزلها المليء بالذكريات وما كان فيه من أموال احترقت بفعل الصواريخ المطلقة تجاهه، إضافة إلى خسارة كمية من المجوهرات يبدو أن جنود الاحتلال نهبوها (كالعادة) عندما دخلوا لتصفية الشهيد، كما يقول والده.


سبعة طلاب جمعوا التبرعات لإعادة إعمار منزل الشهيد
في جامعة بير زيت التي تقوم في نفس بلدة الشهيد، عملت مجموعة من سبعة طلاب وطالبات بمجهود شخصي وبلا أي انتماء حزبي، على جمع التبرعات بهدف إعادة إعمار منزل الشهيد، وخصص الطلبة وهم من دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية بكلية الآداب، صندوقاً زجاجياً كانوا يطوفون به من كلية إلى أخرى داخل الجامعة وفقاً لجدول محدد، كما علقوا مثله في أماكن مختلفة داخل الحرم الجامعي.
والفكرة انطلقت بعفوية من محادثة عبر موقع فيسبوك بين صديقتين بعد اغتيال وشحة، وبسبب مرور أيام دون قيام الجهات الرسمية بشيء فعليّ على الأرض بخصوص البيت الذي لا يمكن ترميمه ويحتاج إلى عملية إعادة بناء كاملة.
«جمعنا في أول أربعة أيام مبلغ 4 آلاف شيكل _ أي نحو 1100 دولار _ والجميل أن زملاء لنا من جامعات أخرى تواصلوا معنا من أجل تطبيق الفكرة في جامعاتهم وسنقوم بفتح حساب باسم والدة الشهيد نضع الأموال فيه»، تقول الطالبة حميدة النتشة. ويقول الطالب عبد الرحيم زهران وهو يقف بجوار الصندوق الزجاجي الذي يمكنك رؤية الأموال داخله «نتمنى أن تعمل أي مؤسسات اجتماعية على تطبيق فكرتنا وجمع التبرعات على نطاق أكبر بعيداً عن الحزبية، وأسرة الشهيد، التي لا نعرف أي شخص فيها، شكرتنا على فكرتنا وسعيدة بها، وهذا المهم».
وكتب الطلبة على الصندوق «من منطلق الواجب الإنساني والوطني، نبدأ حملة (تبرّع ولو بشيكل) للمساعدة في إعادة إعمار بيت الشهيد معتز وشحة».
وعلى موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تفاعل بعض طلبة بير زيت على الصفحة شبه الرسمية للطلبة مع الحملة وأعطوا شعار «بير زيت تعيد بناء بيت شهيدها بنفسها»، للحملة التي انطلقت من جامعة تعرف بجامعة الشهداء، وآخر هولاء الشهداء طالب الصحافة ساجي درويش الذي استشهد بعد الشهيد معتز وشحة بأيام قليلة.
ويقول رامز وشحة شقيق الشهيد إن الرقم التقديري الذي نحتاج إليه لإعادة بناء المنزل يقارب 130 ألف دولار، وإن حملة الطلبة هذه وحملة أخرى شعبية في بلدة بير زيت على صغر حجمها، إلا أننا نثمنها، «على الرغم من أن مسؤولية إعادة الإعمار كاملة تقع على عاتق جهات رسمية مختصة، وقد أبلغتنا أنها غاضبة من هتافات عَلَت خلال تشييع الشهيد معتز تندد بالسلطة وبالتنسيق الأمني مع الاحتلال».




اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل الخميس الماضي بقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ ثلاث سنوات «دون مراعاة الحياة الإنسانية». وقالت المنظمة إن «القوات الإسرائيلية التي لا تراعي الحياة الإنسانية، قتلت عشرات المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم أطفال في الضفة الغربية خلال السنوات الثلاث الماضية، مع إفلات شبه تام من العقاب». رواية إسرائيل عن استشهاد وشحة غاية في الشعوذة الإعلامية. تقول إن وشحة «الناشط الفلسطيني» قتل خلال عملية للجيش الإسرائيلي، وأكدت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي مقتل فلسطيني «متورط في أنشطة إرهابية».