وصل وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في جولته السريعة إلى رام الله أمس، قادماً من عمّان حيث التقى الملك عبد الله الثاني ونظيره أيمن الصفدي. زيارة سريعة أيضاً يردّ فيها شكري «العتب» الفلسطيني ــ الأردني على تغيّبه عن موعد خلا قبل شهر، وقت كانت السلطة والقصر في أزمة وجود أمام العدّ التنازلي لإعلان العدو الإسرائيلي تطبيقه خطة ضم الضفة المحتلة إليه. «ردّ العتب» ليس سوى غطاء على الحراك المصري الحالي للحشد ضد تركيا في ليبيا وهو أصل الزيارة (راجع عدد أمس)، لكن بما أنه حطّ قرب الضفة، فلا بد من الحديث عنها، وإن كان بكلام عابر ومكرّر كتأكيده «الموقف المصري الداعم لاستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني»، خلال لقائه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي تلقّى بالتزامن اتصالاً من نظيره المصري، عبد الفتاح السيسي.

بالعودة إلى المملكة، إن الفتور المصري بالتحديد في موضوع «صفقة القرن»، نتيجة اصطفاف القاهرة مع الخليج وجراء خوفها من الولايات المتحدة ووسط تحسن علاقتها بإسرائيل بصورة مستقلة عن العرب، أمر لن تنساه عمّان، وخاصة أن مواقف القاهرة خلال أزمة الضفة ــ التي لا يبدو أنها انتهت ــ بدت شكلية وغير وازنة في الكفة الأردنية. فما كان يبحث عنه الأردن في مصر هو تدعيم جبهته أمام «المس بالسيادة الأردنية» جراء الصفقة وضم الضفة والأغوار من ناحية، ومن ناحية ثانية تعزيز تيار «طلائع» التطبيع العلني مع تل أبيب، ولا سيما مع منافسة المال الخليجي لمشروعَي «السلام» الأردني والمصري. بعبارة أخرى: أراد الحكم في الأردن ترتيب مستقبل العلاقة مع إسرائيل بوجود منافسين أكثر قيمة إقليمياً واقتصادياً ترى فيهم إسرائيل التطبيع الناجز الذي لطالما أرادته بأقل خسائر، لكن مصر بحثت عن خلاصها الفردي قبل أن تصطدم بمشكلاتها، وها هي تعود إلى عمّان لحشد دعم دبلوماسي.
من الواضح أن شكري لم يأتِ ليمارس الرفض المصري للضمّ من على الأرض الأردنية، وإن تصدر موضوع الضم التصريحات الصحافية المشتركة، لكن الموضوع برمّته ليس من أولوياته التي بدت واضحة أكثر في زيارته إلى المملكة مطلع آذار/مارس الماضي، قبيل الإغلاق التام للأردن بسبب جائحة كورونا. آنذاك، سلّم الوزير المصري الملك الأردني رسالة من رئيسه بخصوص «سد النهضة»، ثم جرى التشاور في الحرب الليبية حيث يلعب الأردن دوراً بصفته مزوّداً للأسلحة ومدرّباً للقوات المحسوبة على محور السعودية ــ الإمارات ــ مصر. وكثيرون تناولوا استقبال عبد الله لضيفه بالزي العسكري كرسالة واضحة بشأن الدعم الذي ستقدمه عمّان، ولا سيما مع الخلفية العسكرية للسيسي، مع أن الأمر ربما لا يعدو مجرد مصادفة إذا أخذ في الحسبان تزامن الاستقبال مع زيارة الملك إلى «حرس الحدود»، بل تصدّرت الأخيرة أغلفة الصحافة الورقية على حساب تغطية اللقاء التي بدت هزيلة.
أما في اللقاء بين شكري والصفدي، فكانت مساحة الحديث أوسع في «النهضة»، إذ ثمّن الأخير الموقف «العقلاني» للقاهرة، في إشارة إلى تجنّبها أي إجراءات أحادية وإصرارها على التوصل إلى اتفاق يضمن مصالح الأطراف، مردّداً على ضيفه أن «أمن مصر المائي جزء من الأمن الاستراتيجي العربي الذي نتمسك به جميعاً». وبشأن ليبيا، اتفق الوزيران على «دعم الحل السياسي»، ليغادر بعدها شكري إلى الضفة. مع ذلك، سيبقى الأردن كعادته محافظاً على جميع قنواته الخارجية مفتوحة على الصعيد الإقليمي، ولا سيما أن ما يربطه بمصر الآن ملفان كبيران هما الطاقة (الغاز المصري) والتطبيع الرسمي مع إسرائيل، إضافة إلى التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة التي ترعاها الولايات المتحدة، عدا ملف مئات آلاف العمّال المصريين الوافدين إلى الأردن. أياً يكن، لا تشبه الحال اليوم بغضّ النظر عن الفتور ما كان عليه الوضع أثناء «الربيع العربي» حين حكمت جماعة «الإخوان المسلمين» مصر وتأثير ذلك في نبرة «إخوان» الأردن أثناء تفاوضهم مع النظام، وهو وتر انقطع بمجرد انقلاب السيسي وتراجع الجماعة في المملكة، وآخره إصدار حكم قضائي غير قطعي، قبل أيام، باعتبار الجماعة «محلولة»، الأمر الذي دفعها إلى إصدار بيان تؤكد فيه دعم النظام الأردني!