الخرطوم | بعدما أوحت الإدارة الأميركية بوصولها إلى تسويات مع الحكومة السودانية بشأن ضحايا تفجير سفارتَي واشنطن في نيروبي ودار السلام، تمهيداً لرفع اسم السودان من «لائحة الإرهاب»، قالت المحكمة العليا في الولايات المتحدة إنه لا يمكن إعفاء الخرطوم من دفع تعويضات بموجب دعاوى قضائية في قضية التفجير، وهو ما رآه قانونيون «انتكاسة»، كما أثار غضباً كبيراً على الصعيد الحزبي والشعبي في البلاد.

لكن وزارة العدل السودانية أصدرت بياناً توضيحياً قالت فيه إن القرار القضائي «يتعلق بالأحكام الغيابية» التي صدرت قبل سنوات في قضايا تفجير السفارتين، والتي بلغت قيمة التعويضات الكلية فيها 10,2 مليارات دولار، أي أن «العليا» أعادت «فرض تعويضات عقابية تبلغ 826 مليون دولار، لكنها امتنعت عن توضيح ما إذا كانت التعويضات العقابية بموجب القانون الولائي لا الفيدرالي». كما لا تزال بقية التعويضات خاضعة للتقاضي أمام محكمة الاستئناف بين حكومة السودان والمدَّعين.
لذلك، أبدت «العدل» السودانية تحفظها على امتناع المحكمة الأميركية عن الجزم في صحة منح التعويضات للمدّعين بموجب القانون الولائي، علماً بأن حجم التعويضات المختلفة التي منحتها الحكومة للمدّعين بموجب هذا القانون تمثل الجزء الأكبر من مبلغ التعويضات الكلي، إذ تدفع حكومة السودان ما يعادل 7,5 مليارات من المبلغ الكلي (10,2) شاملة التعويضات العقابية والتعويضات عن الخسائر، ما يعني أن المبلغ المدفوع وفقاً لقرار المحكمة الأميركية سيكون عرضة للتقاضي مجدداً.

نشرت الصحافة الأميركية تقارير عن قرب التوصل إلى تسوية شاملة


حالة التناقض في قرارات القضاء الأميركي دفعت كثيرين إلى مطالبة الحكومة السودانية بالخروج من دائرة الاتهامات الأميركية والدفاع عن النفس، وخاصة أنه «جُرم لم يرتكبه الشعب السوداني»، قائلين إن القرارات الأخيرة «أكبر دليل على أنها حِيلٌ من واشنطن لإلهاء حكومة الفترة الانتقالية والأولى مراجعة الأميركيين في خدمات أخذوها مجاناً من نظام عمر البشير». من هؤلاء المحلل السياسي حاج حمد الذي يقول إن «النظام البائد سمح لأميركا بإقامة قاعدة ضخمة في ضاحية سوبا شرقي الخرطوم قبل 15 عاماً دون أي مقابل، وهي مركز رئيسي للقوات الأميركية في شرق أفريقيا وفيها نحو 500 من المارينز، كما أن فيها أكبر مركز للتنصت في الشرق الأفريقي».
ويستغرب حمد من «مجاراة حكومة عبد الله حمدوك للخطط الأميركية المبنية على مبدأ كسب الوقت إلى حين انتهاء الفترة الانتقالية والمجيء بحكومة من أحد الأحزاب التي يسهل السيطرة عليها»، مضيفاً: «على مجلس الوزراء ومجلس السيادة عدم تقديم أي تنازلات تمس السيادة الوطنية، بل مطالبة الولايات المتحدة بدفع قيمة الإيجار عن القاعدة الأميركية في الخرطوم بأثر رجعي». كما أشار إلى أنه أرسل «رسالة شديدة اللهجة» إلى حمدوك، ذاكراً فيها قضية أخرى يمكن للسوادنيين الضغط بها وهي الصمغ العربي، إذ تمكنت لوبيات الضغط في الولايات المتحدة من استثنائه من العقوبات الاقتصادية والسماح بتصديره.
كذلك، يتناقض ما قالته المحكمة العليا في الولايات المتحدة مع الأنباء التي نقلتها الصحافة الأميركية عن أن إدارة دونالد ترامب تقترب من التوصل إلى اتفاق وتسوية مع السودان وأن الغرض هو دعم الحكومة الانتقالية بقيادة المدنيين. وقالت التقارير إن قيمة التسويات التي توصل إليها الطرفان هي أن يدفع السودان 10 ملايين دولار لكل موظف من الحكومة الأميركية قتل في الهجوم و800 ألف لكل موظف من الجنسيات غير الأميركية، إضافة إلى ما بين 3-10 ملايين للمصابين من الجنسية الأميركية و400 ألف لغير الأميركيين.