تونس | أحيا التونسيون أمس الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال البلاد. احتفال هذا العام نغصته التهديدات باغتيال قادة معارضين للنظام القائم، وقيام حركة «النهضة» برفع صور الرئيس المصري المعزول محمد مرسي واعلام داعمة لاعتصام ميدان «رابعة العدوية».


احتفال الأمس تغيب عنه ثلاثة من ابرز القادة السياسيين، هم الباجي قائد السبسي، زعيم حركة نداء تونس، وزعيم اليسار التونسي حمة الهمامي، ومباركة البراهمي الرئيسة الشرفية للتيار الشعبي، وأرملة الشهيد محمد البراهمي، بعدما حذرتهم وزارة الداخلية عشية الاحتفال بمشروع لتصفيتهم ومنعتهم من مغادرة بيوتهم قبل أن يُكشف عن تفاصيل المخطط الإرهابي الذي يستهدفهم. مناخ الاغتيالات الذي عاد إلى الواجهة تزامن مع مواجهات مسلحة مع مجموعة ارهابية في قرية سيدي يوسف على الحدود التونسية الجزائرية، وذلك بعد تفكيك اكبر خلية ارهابية في قرية منزل نور في محافظة المنستير، التي ينحدر منها أبو الاستقلال كما يلقب في تونس الزعيم الحبيب بورقيبة، والتي كانت الى وقت قريب بعيدة عن نفوذ الإرهابيين، لكن المثير في احتفالات عيد الاستقلال هو الطريقة التي احتفلت بها حركة النهضة الإسلامية؛ واحتفل بها انصارها في شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة، الذي شهد التظاهرة الشعبية التي أنهت حكم زين العابدين بن علي يوم ١٤ كانون الثاني ٢٠١١ برفع صور الرئيس المصري المعزول محمد مرسي كما رفعوا شعار رابعة. وقد رأت القوى الديموقراطية أن الطريقة التي احتفلت بها حركة النهضة بعيد الاستقلال، أغلى ذكرى في تونس مع عيدي الجمهورية والشهداء، دليل على عدم ولاء هذه الحركة لتونس، وارتباطها العضوي بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، بعدما كشفت صحف كويتية أن زعيم الحركة راشد الغنوشي هو المرشح الأبرز لقيادة التنظيم الدولي، ليكون اول مرشد عام من خارج مصر. وكان الغنوشي قد كتب مقالاً أمس بمناسبة ذكرى الاستقلال دعا فيه إلى طي صفحة الماضي والمصالحة الوطنية، مطالباً النقابات بالعودة إلى العمل وتنمية الانتاج لتتجاوز البلاد أزمتها الاقتصادية. الذكرى الثامنة والخمسون للاستقلال، والرابعة بعد انهيار النظام السابق، أكدت حجم التجاذب في الشارع التونسي، الذي اصبح يهدد بجدية الوحدة الوطنية التي كانت أساس مشروع دولة الاستقلال، وهو الشعار الذي رفعه الزعيم الحبيب بورقيبة. فمنذ سقوط النظام السابق بدأت أصوات ترتفع لأحزاب ذات خلفية قومية وإسلامية تشكك في الاستقلال ومكاسب الدولة الوطنية، وقد حدث الامر نفسه أمس، اذ شككت أحزاب إسلامية، منها حزبا التحرير وحركة الإصلاح في الاستقلال، أما القوميون، فعدّوه مجرد انسحاب عسكري، فيما أحيت الأحزاب ذات الخلفية الدستورية واليسارية ذكرى الاستقلال، داعيةً إلى الاستفادة من أخطاء الماضي وتثبيت الخيار الديموقراطي الذي حرمت منه تونس في عهد بن علي. التونسيون الذين كانوا إلى وقت قريب يتباهون بنجاحهم في بناء دولة حديثة ومجتمع مستنير، برغم إقرارهم بغياب الديموقراطية في عهدي بورقيبة وبن علي، نجحوا في فرض الديموقراطية، لكنهم يخافون بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام الاستقلال من انهيار الدولة، التي عرفت هشاشة غير مسبوقة منذ مغادرة الرئيس الأسبق البلاد، وفي الوقت الذي ترى فيه العديد من القوى السياسية أن هذه الهشاشة طبيعية، وترافق اي انتقال ديموقراطي بعد سنوات طويلة من الديكتاتورية، ومن حكم الحزب الواحد، ترى قوى اخرى أن البلاد تتعرض منذ ثلاث سنوات لمؤامرة تستهدف الدولة ونمط المجتمع، وأن هناك مشروعاً لتخريب الدولة ونسف مكاسب التونسيين وتحويل البلاد إلى صومال جديد.