بغداد | لا يزال مشروع قانون الأحوال الجعفرية الذي سنّه وزير العدل العراقي حسن الشمري، يثير جدلاً كبيراً داخل الأوساط المدنية والشعبية والدينية العراقية بسبب ما يسمى الثُّغَر القانونية والأخلاقية التي تتضمنها المسودة، وأبرزها السماح بتزويج القاصر.


وفيما حظيت مسودة القانون بمباركة المرجع محمد اليعقوبي، الذي يُعَدّ المرشد الروحي لقادة حزب الفضيلة الذي ينتمي إليه الوزير الشمري، رفضت المرجعية الدينية العليا في النجف المسودة رفضاً قاطعاً، من خلال إعلان المرجع الديني الشيخ بشير النجفي صراحة رفض القانون بصيغته الحالية، فضلاً عن تجاهل السيد علي السيستاني المرجع الأعلى ووكلائه التعليق على القضية.
من جهته، عبّر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف، عن قلقه من عرض مشروع القانون على البرلمان العراقي، محذراً من تفتيت الوحدة الوطنية بسببه.
وعن سبب رفض المرجعية الدينية العليا لمشروع القانون، يشرح الأستاذ بالحوزة العلمية في النجف الشيخ فرحان الساعدي عبر اتصال هاتفي مع «الأخبار»، قائلاً إن «اعتراض المرجعية جاء في إطار أن وضع القوانين نفسها بحاجة إلى تشريع، والتشريع يحتاج إلى مجتهد (فقيه)؛ لأن ذلك يتعلق بالإفتاء، وهذا قريب لما فعله السنهوري (في مصر)، حين وضع أشياء دقيقة جداً من قبيل تحديد الغرامات بـ30 أو 40 قرشاً مثلاً، وهذا إفتاء بحد ذاته، وحين يأتي مجتهد آخر ويعترض على هذا الافتاء، يكون هنا مورد الاعتراض»، نافياً أن يكون اعتراض المرجعية على أصل القضية، أو أن يكون للشيعة قوانينهم الخاصة، «شرط أن لا توضع تلك القوانين على الطريقة الفرنسية القائمة على الاشتقاقات، إذ ليس من حق أحد أن يشرّع ما لم يمتلك ولاية التشريع». وصدّق مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 25 شباط الماضي على قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي يضم 254 مادة قانونية، توزعت على خمسة أبواب وعدد من الفصول التي تناقش قضايا ووصايا وأحكام الزواج والإرث والطلاق، بينما يتكون قانون القضاء الشرعي الجعفري من 82 مادة، تناولت أحكام تأسيس القضاء الشرعي الجعفري العراقي وطبيعة تشكيلاته وجهة ارتباطه ومرجعيته الإدارية وتقسيمات المحاكم والمهمات الموكلة إليها.
وبشأن الموقف من تزويج الفتاة القاصر، وهو الأمر الذي تضمنته المسودة وأثار موجة من الغضب داخل أوساط القوى المدنية، يذكر الشيخ الساعدي أنّ «علينا أن نعرف أولاً أنه لا يمكن تحويل جميع المباحات الشرعية إلى قواعد، بمعنى أنه لمجرد وجود تلك الإباحة، فإنه سيجوز للفرد لبس شورت قصير للغاية لا تتجاوز مساحته 5 سنتيمترات، لكونه يغطي عورته، وبالتالي هو جائز شرعاً، فأي عاقل يفعل ذلك؟»، مبيناً أنه «كذلك في مسألة زواج القاصر، هناك إباحة شرعية في تزويج الفتاة ذات الـ9 أعوام بفتى بعمر 10 سنوات، أو ربما أكبر منها بـ60 عاماً، لكن هذه الإباحة ربما كانت تتعلق بالفكرة والإطار النظري».
أما موقف المنظمات المدنية والناشطين في مجال حقوق الإنسان، فتبينه الناشطة النسوية البارزة هناء أدور، بالقول إن «المسألة الأساسية هي أن مشروع القانون تعامل مع المرأة كسلعة ومطية جنس لا أكثر، وليست امرأة كاملة الأهلية القانونية والعقلية، وهذا جانب أساسي، إلا أن هذا المشروع يبيح للزوج الاستمتاع بالزوجة متى شاء، ومن الممكن أن يحرمها الوظيفة والعمل، حتى لو كانت في أعلى سلّم المسؤولية والسلطة، كذلك فإنه ليس من حقها أن تختار شريك حياتها، وكذلك المرأة الناشز التي يجب على زوجها تقديم النفقة لها، فإنها تُحرَم النفقة إذا لم يتمكن زوجها من الاستمتاع بها، بالإضافة إلى أن منعه يحرم المرأةَ الميراث، إلا من المزروعات والأشجار وما شاكل، وعليها أن تقبل بما يدفع لها مقابل حصتها من باقي الورثة. كذلك حرّم على المسلم الزواج بكتابية، إلا بعقد مؤقت، وهذا كله مخالف للدين الإسلامي والمذهب الجعفري الذي يزخر بالكثير من الدراسات والآراء المختلفة التي تتناقض مع هذه التعاليم».
وتابعت الناشطة المعروفة في مجال حقوق المرأة: «إننا كنسوة وناشطات، قمنا بوقفة احتجاجية وأصدرنا بياناً، وأعلنا الحداد ولبسنا السواد في يوم المرأة العالمي، وبدأناها داخل البرلمان في الخامس من هذا الشهر، وتحدثنا مع رئيسه الذي أكد لنا عدم تسلّم مشروع القانون لحد الآن، وأبلغناه احتجاجنا وضرورة عدم إمرار مثل هذه القوانين، وأجمع الرئيس ونائباه على أنّ من غير الممكن أن يمرر مثل قانون هكذا خلال الفترة القصيرة من عمر البرلمان، وحتى لو جاء بعد الانتخاب، فإنهم قالوا إنه سيدرس بشكل تفصيلي من قبل لجان مختصة، وسيرفض لو كان ينتقص من كرامة المرأة، أو يتعارض مع حقوقها».
ورجحت أن «يكون الموضوع من أساسه سلعة استهلاكية انتخابية لإيهام الشيعة بأن هذا منجز يحسب لهذا المسؤول أو ذاك، كذلك فإنه يهدد وحدة النسيج الاجتماعي العراقي، وينتهك الدستور، لكونه يرفض إنشاء محاكم أخرى، ويؤكد ضرورة احتكام الجميع للقانون بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الدين والطائفة.
وختمت حديثها بالقول: «أما استناد القانون إلى المادة 41 من الدستور (تجيز إنشاء محاكم خاصة)، فإنها مادة معطلة منذ إقرار الدستور، لأنها مادة خلافية، وموضوعة على قائمة التعديلات الدستورية، وهي لم تعدّل لحد الآن».
يذكر أن المدافعين عن سنّ القانون يستندون إلى المادة 41 من الدستور، والتي تنص على أن العراقيين هم أحرار في التزام أحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم، وينظّم ذلك بقانون، إلا أن رافضيه من ناشطين مدنيين، يستندون إلى نص المادة 17 من الدستور على أن لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين.




ترفضه المرجعية ويكرس العنصرية

رأى القيادي في كتلة «الرافدين» المسيحية بالبرلمان العراقي عماد يوخنا، قانون الأحوال الجعفري، «تجاوزاً على الديانة المسيحية وتكريساً للعنصرية».
وقال يوخنا في بيان أول من أمس، إن «مشروع القانون يتضمن مواد تخالف الدستور، فيما ناشدت المرجعية الدينية العليا في النجف عدم الموافقة على إمرار هذا القانون حفاظاً على اللحمة الاجتماعية للعراقيين».
وأضاف أن «قانون الأحوال الجعفري يعد تجاوزاً على الديانة المسيحية وتكريساً للعنصرية»، مشيراً إلى أن «مشروع القانون فيه العديد من المواد التي تخالف الدستور». وتابع يوخنا قائلاً: «لا يحق لأي جهة أن تفرض أحوالها الشخصية على الديانات الأخرى، لكون الدستور واضحاً وصريحاً في المادة 41، التي تنص على أن العراقيين أحرار في التزام أحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم الدينية»، مؤكداً أن «كتلة الرافدين لن تصوت، وسترفض هذا القانون إذا طُرح للتصويت، داخل مجلس النواب، وتحديداً المواد التي تمسّ ثوابت الديانة المسيحية وخصوصيتها».
وقال يوخنا إن «كتلة الرافدين أعدّت مسودة قانون أحوال شخصية خاص بالمسيحيين، وهو قيد الدراسة مع المراجع الدينية للمسيحيين»، مشيراً إلى أنه «سيتم تقديمه للحكومة كمقترح قانون في حال إنجازه».
(الأناضول)