عبد الرحمن جاسم

الرجل الذي أتى خليفةً للختيار أبو عمار، ليس سيئاً فحسب، بل هو أيضاً تاجرٌ. ماذا عند الرجل؟ يحكم الرجل رام الله، مقاطعته، بيدٍ من حديد. قد يعتقد البعض، لشكل الرجل «المدني» المسالم، أنه لا يعرف كيف يتصرف أو يسيطر. إلا أنه ليس هناك أفضل من عملية تخلصه من محمد الدحلان، قبل مدة من الزمن (هناك محاولات لإعادته تجرى حالياً بضغطٍ أميركي)، إلا دلالة لا تخطئ على قوة «الرئيس» الحقيقية.

فالدحلان الرجل القوي في منظمة التحرير، وجد نفسه فجأة في «الشارع»! تُرك الرجل وحيداً، من دون أي حماية أو «ظهر» حتى داخل المنظمة. وليست هذه المرة الأولى التي يُبرز فيها أبو مازن مخالبه السياسية، ويثبت قوته الداخلية في المنظمة. ففي المرة الأولى، طرد «أبو اللطف»، فاروق القدومي، من المنظمة بقدرة قادر وحوّله من رقمٍ صعبٍ إلى persona non grata أي «شخصية غير مرغوب بها» بسرعة كبيرة. أبو مازن يجيد اللعبة السياسية. إذاً، هل نحن شعبٌ «عاق» لا نحب نجومنا وقادتنا؟ يعرف الرجل «ألعاب» الشركات والمؤسسات وخدعها، يعرف أنه إذا أرضى الإسرائيلي والأميركي «ممولو الشركة» استطاع التخلص من خصومه، فالحليفان الكبيران للرجل، همهما الوحيد هو الهدوء في أراضي السلطة الفلسطينية، «زيرو مشاكل»! وأبو مازن، من جهته، هو ببساطة نسخة طبق الأصل عن «قرظاي» أفغاني بثيابٍ أوروبية ولهجة فلسطينية ونظارات موظف بيروقراطي. الرجل الذي يتباهى بأنه كان من أوائل مؤيدي الحلول السلمية (قالها في مقابلة على السي أن أن بشكل مباشرٍ وعلني)، وبأنه لم يحمل السلاح يوماً، ولم يتدرب عسكرياً في أي من المعسكرات (قالها أيضاً علناً في مقابلته الأخيرة على إحدى القنوات الإسرائيلية)، هو لا يخفي الأمر ولا يستحي به. إذاً، فهو بالنسبة إلى الأميركي والإسرائيلي: الشخص المناسب في المكان المناسب. أخيراً، زار أبو مازن لبنان، ماذا فعل هنا؟ هل نظّم لقاءات شعبية؟ هل زار المخيمات وأقام فيها؟ كلا! قد يستغرب الجميع إذا ما قلنا بأن الرجل زار... آل الجميل، واستقبل سمير جعجع! فضلاً عن أنه، ببساطة، اختار زيارة «قتلة» الشعب الذي يدّعي رئاسته. فلا الجميّل صديقٌ للفلسطيني، وبالتأكيد لن يكون جعجع! إذاً، ما سبب الزيارات؟ ما هي الحكاية؟ يسرّ عارفون بأن السبب هو المشاريع المشتركة بين ابن الرئيس طارق وبين جعجع/ الجميّل في إقليم كردستان العراق. الرجل تاجرٌ أينما حل، والسياسة/ الرئاسة بالنسبة إليه تكملة طريق، ألا يشبه أحداً نعرفه؟ باختصار، لم يكن أبو مازن رئيساً لأحد بمقدار ما كان رئيساً لشركةٍ يتولاها هو وأبناؤه وبعض المتنفذين في «فتح». لتلك الشركات التي تحمل أسماء متعددة، وظائف عدة، ولكن الأهم أن لجميع تلك الشركات شركاء... إسرائيليين. فمن شركة الاتصالات «سكاي» التي يملكها نجلاه ياسر وطارق، والتي تتشارك مع شركة «أشيل ــ شيبر» الإسرائيلية، إلى شركة «فالكون» المتشعبة الأطراف والشركاء، وهذه يملكها ابنه ياسر وحده بجميع فروعها وأقسامها. الرئيس «التاجر» لم يقف عند هذا الحد، هو قال أكثر من مرة إن مشكلة «العائدين» لا تعنيه، وإنه لن يحمّل «إسرائيل» تبعات هكذا مشكلة» (قالها أمام حشدٍ طلابي إسرائيلي زاره في مقرّه أخيراً)، وتبجّح بأنه من صفد ويرغب في العودة إليها، لكن بصفة... «زائر» هذه المرة، وليس محرراً، رغم أن اسم منظمته لا يزال: منظمة التحرير الفلسطيني. أجل، لهذا الحد أبو مازن لا يشبه أحداً! لذلك نسأل بالصوت المرتفع: ألم يحن وقت سقوط «الرئيس» المدوي، ألا يستحق الشعب الفلسطيني فعلاً رئيساً حقيقياً مكان هذا؟




عن أبو مازن

تولى محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية في 15/1/2005، ولا يزال رئيساً رغم انتهاء ولايته عام 2009، ومن دون أي مرشحٍ بديل، ليس من المرجح أن يرحل الرجل. كان أول رئيس للوزراء في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات في 2003، لكنه استقال إثر خلافٍ على الصلاحيات، ليمسك بملف المفاوضات مع الصهاينة آنذاك. درس القانون في القاهرة، والعلوم السياسية في روسيا، عمل في قطر مديراً لشؤون الموظفين في وزارة التربية والتعليم، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يجيد لعبة البيروقراطية، فهو يعرف تماماً بأن «البيروقراطية» تحمي!