«راجع ع بلادي.. ع الأرض اللي ربتنا.. راجع ع بلادي».. هذه مطلع أغنية لشاعر الثورة الفلسطينية إبراهيم محمد صالح المعروف بـأبو عرب، وتلك الكلمات التي ظل يرددها خلال رجوعه الأول إلى فلسطين سنة 2011، وفي السنة التي تلتها أيضا..

كنت حينها واحدا من هؤلاء الراجعين إلى فلسطين لأيام، وكان أبو عرب أحد تلك الكواكب الساطعة في هذه الرحلة، التي لا تشبه أي شيء معروف في الأرض، إلا ذاك المتخيل بانبعاث الناس من موتها إلى الحياة يوم تقوم الساعة..

كان الطريق مليئا بالحنين والغرابة والدهشة.. وأبو عرب كان صوتا يصدح في كل لحظة، يغني للفدائي والشهيد، وللأرض، وللحدود.. كان يغني لشجرة قريته التي ولد فيها عام 1931، وهجر منها سنة 1948، وعاد إليها قبل سنتين.. ظل يغني خلال كل هذا الوقت لحياة يرجوها في أرضه وهي فارغة من المحتل الذي أبعده عنها وأسرته.. وقتل والده أثناء النكبة المشؤومة..
وصل أبو عرب إلى معبر الكرامة، عند جسر اللنبي، وانتظر مثل الجميع، سماح الاحتلال لنا بالمرور إلى أرضنا، إلى أول متر في فلسطين بعد كل هذا الغياب، هنا وقف الرجل الثمانيني ينظر إلى هؤلاء الشباب، وربما سأل نفسه، والد من منكم قتل ولدي وأرداه شهيدا في بيروت 1982، الإجابة لم يطل زمن البحث عنها، فكانت حاضرة في وجوههم جميعا، بالازدراء الذي ما تمكنوا من إخماده، فنار الكراهية كانت متقدة في نفوس هؤلاء، ممن علمهم أن الفلسطيني قاتل، وعليكم قتله، لكنهم هنا قرب الحدود، وأمامهم من غنى عبر سنين طويلة «راجع ع بلادي»، ربما راودهم سؤال حول بلاد هذا المغني الذي استقصوا عنه كثيرا وهو المعروف لديهم، بكل عين شاب أو رجل مسن أو امرأة حامل، أوقفوهم على الحاجز، أو أخذوهم إلى المعتقلات أسرى، أو ارتقوا برصاصهم شهداء..
هو أبو عرب القصيدة المتنقلة، والأغنية التي ما خفت صوتها في فلسطين لتثير استغراب الفلسطينيين، من أين له الطاقة على الغناء كل يوم، كل يوم كان يغني، برغم مرضه الشديد، كل يوم وفي كل مدينة كان يقف مغنيا، كما كان في أولى فرقه الغنائية التي أسسها في الأردن 1980.. هي فلسطين أعادته طفلا وشابا صغيرا، مثلما أُخرج منها قبل عقود..
أكتب عنه الآن، بقلق المثابر على صياغة ذاكرة يأمل ألا تموت.. كالأغنية التي جعلتني أنظر إلى أبو عرب متأملا حين كان يقف في ساحة فندق «بيست إيسترن» في شارع الإرسال برام الله، وهو يتأمل جبال فلسطين 48، يتأمل ذاك الرجوع النهائي إلى تلك الجبال.. وتلك الحكاية التي اسمها فلسطين.