القدس المحتلة ــ طارق البكري

تلك النقطة الحقيرة على جسر الكرامة، تلك التي ننتظر قبل النزول إليها ساعات في الباصات المتكدسة على الجسر الياباني، أو على «المَيّة» كما تقول كبيرات السن في اتصال أقربائهن للاطمئنان إليهن. لطالما آمنت بأن تلك «الفقرة» من رحلة عذاب الجسر غير ضرورية على الإطلاق كما الحدود بمجملها، لكن هذه النقطة وجدت لإذلال الفلسطيني أكثر من غيرها؛ إذ تشكل أول نقطة احتكاك مع المحتل. هناك ترى أول علم «لإسرائيل» مرفوعاً على طرف النهر الذي تم فيه عمّاد السيد المسيح، وهناك يقف باص «الجت»، على طرف الشارع، بانتظار سماح جنديين إسرائيليين بلباس «حرس الحدود» الزيتي، وموظف أمن، بفتح باب الباص. سائق الباص عبر مكبر الصوت وقبل النزول ينادي: «يا جماعة اتركوا كل اشي بالباص بس خلّوا معكم الجواز والتصريح». علماً أنه في السنوات الأخيرة لم يعد يطلب الجنود رؤية التصاريح أو الجوازات عند فقرة الإذلال الأولى.

يتسابق الركاب للنزول من الحافلة، لأنهم لا يملكون سوى دقائق معدودة قبل العودة إلى ساعات الانتظار مجدداً على نفس المقاعد، ستكون السيجارة الأولى منذ ساعات للبعض، وخاصة في مواسم الجسر الصيفية حيث الازدحام. آخرون يشربون الماء، ومن هو مضطر إلى استعمال دورة المياه الكريهة يهرول إليها سريعاً. بعد نزول جميع الركاب ووقوفهم تحت مظلة (5 ضرب 3) متر مربع، وبعد تأكّد الجندي اليافع من سائق الباص أن الركاب قد نزلوا، يصعد من الباب الأمامي ليمشي 30 ثانية في الباص ويخرج من الباب الخلفي قائلاً: «اطلعوا عالباص».
كالعادة، المدخنون يتباطأون أملاً في إكمال نصف السيجارة. لا يزال مصير وصولنا إلى قاعة الجسر غير معروف. نعود إلى مقاعدنا لنتفقد إن كان كل شيء في مكانه.
على الصعيد الشخصي يراودني هاجس باستمرار، أن جولة الجندي المكوكية في الباص، خلف الستائر، سينتج منها سرقة شيء من أغراضي التي أُجبرت على تركها كلها. هو مجرد وهم، ولكنه ليس مستحيلاً! فقبل يومين وخلال مشاركتنا في فعالية «تجوال سفر» في واد قانا، بين جبال سلفيت، والمحاط بعدة مستوطنات، استوقفتنا عائلة طلب جنود الاحتلال بطاقات هوياتهم، وخلال عملية الفحص، سرق جندي مبلغ 100 شيقل من هوية شاب! وبعد اكتشاف الشاب، أنكر الجندي بالتأكيد. إذن ليس مجرد وهم «إلهم عاللون*»، بما أن رواية الجندي هي دائماً الصحيحة والمصدّقة!
ما زلت لا أعلم سبب وجود تلك الفقرة من الرحلة، أهو الأمن من وجهة نظرهم؟ إن كان كذلك، فقد جرى تفتيشنا على الجسر الأردني! بل يتوقف الباص مرتين قبل قطع الحدود إلى فلسطين المحتلة لتتأكد إدارة ومفارز أمن الجسور من الركاب وعددهم، ومطابقة أسمائهم على ورقة التعبئة. وعلى الجهة الأخرى، وعند الوصول إلى جسر الاحتلال، نقضي ساعات من التفتيش ما بين آلات الكشف عن المعادن وتفتيش الحقائب وآلة النفخ الهوائي التي تستبدل أحياناً بجهاز تلتصق به ورقة صغيرة يجري إمرارها على ما في
جيبونا.
البعض يقول إنها لاكتشاف المتفجرات، وآخرون يرون أنها لكشف المخدرات. بكل الأحوال، لا يختلف اثنان على صرامة الإجراءات الأمنية على الجسر، ومن هنا فإن تلك النقطة التي استشهد عندها القاضي رائد زعيتر، وُجدت لتهيّئ المسافرين وتذكرهم بمن هو الأقوى ولمن السيطرة المطلقة.
أذكر في إحدى المرات، بعد انتظار 3 ساعات فوق «الميّة»، نزلنا من الباص لتتشكل سحابة من دخان السجائر. وعند نزول الجندي من الباص آمراً المسافرين بالصعود، ألقى البعض سجائرهم على الأرض وهمّوا بالصعود، فأزعج هذا التصرف الجندي «الحضاري». هكذا، اختار بعشوائية شاباً عشرينياً، وطلب منه التقاط جميع أعقاب السجائر الموجودة على الأرض! رفض الشاب وقال للجندي إنه لم يرمِ شيئاً على الأرض، بل إنه لا يدخن بالأساس! أصرّ الجندي على موقفه مع إصرار الشاب على الرفض، فاتجه الجندي صوب السائق طالباً منه إطفاء المحرك «مش راح يتحرك الباص قبل ما تنظف الأرض»، وهنا بدأت تعلو أصوات من المسافرين: «الله بيعينك! لِم اللي ع الأرض بدنا نوصل».
نفس الأصوات تسمعها أثناء الاصطفاف في طابور «حاجز قلنديا» ويأتي دورك للفحص، إن لم تكن متأقلماً مع الحاجز وسريعاً بنزع «كل شي بيزمّر»، ستسمع من يوبخك على هذا البطء، ويلوم «الشعب» الذي لا يعرف أن ساعة اليد والنظارات الطبية «بتزمّر». مع ازدياد الضغوط على الشاب وتعالِي الأصوات، رضخ للجندي وأزال كل أعقاب السجائر. بل إن الجندي المنتصر، طلب منه أيضاً إزالة أكياس نايلون عند طرف الرصيف. لن يرفض الشاب، لأنه إن فعل ستنهال عليه أكوام من اللوم بأنه كان السبب في تأخير المسافرين!
أستطيع تخيّل الموقف الذي حصل مع القاضي زعيتر عند هذه النقطة: جندي إسرائيلي لم يتجاوز العشرين ربيعاً، يدفع رجلاً فيطرحه أرضاً. هل المطلوب من زعيتر أن لا يرد على إهانته بالاحتجاج؟ وأن لا يدفع الجندي لئلا يعطيه حجّة لإطلاق النار عليه بدم بارد؟ أم كان يجب عليه أن يرضخ ويطأطئ الرأس عائداً إلى الحافلة كي تصبح حياتنا أسلس وأسهل تحت الاحتلال؟




استدعى الأردن دبلوماسياً إسرائيلياً للاحتجاج على مقتل القاضي رائد علاء الدين زعيتر على يد جندي إسرائيلي كان يحاول إذلال العابرين من الفلسطينيين.
وقال والد القتيل «إن مشادة حصلت، وإن الجنود ضربوا ابنه ودفعوه على الأرض». وأضاف إن كرامة ابنه لا تقبل الذل والمهانة.
شاهد عيان روى ما حصل «لما خلصنا الإجراءات بعد جسر الخشب، صار الكل يطلع ع الباص. كنت أنا ورائد، ما عرفت ليش تناقر مع الجندي. دفشوا بعض، وبعدين طلعت ع الباص وسمعت صوت طلقة وبعدين ثلاث طلقات». وطلب الجنود بعد ذلك من الركاب النزول من الباص ورأوا زعيتر ممدداً على الأرض.