في أحسن الأحوال، يمكن وصف رؤية الرئيس الأميركي، «صفقة القرن»، التي أميط عنها اللثام، بـ«حملة علاقات عامة»، أو «خريطة طريق» لمستقبل دونالد ترامب ــــ بنيامين نتنياهو. ارتقاءٌ إلى مستوى غير مسبوق، ومهارة استثنائية في تحويل «حفل سلام» في البيت الأبيض إلى مهرجان انتخابي لـ«بيبي». وإلى كلّ ذلك، هي «انتصار» للعلامة التجارية العقارية: تقسيم القدس نموذجاً!

حين يكون رئيسٌ ما في ورطة كبيرة، يوجّه اهتمامه نحو السياسة الخارجية بهدف «الإلهاء». ومِن فنون «الإلهاء»، مثلاً، أن يبدأ كانون الثاني/ يناير الجاري باغتيال الجنرال قاسم سليماني، وينتهي بنشر «صفقة القرن». وليس مِن قبيل الصدفة أن يحدث ذلك كلّه، فيما محاكمة ترامب في الكونغرس قائمة. يقدِّم الرجل نفسه كـ«محرّض على الحرب، وصانع للسلام في آن معاً». بالنسبة إلى ماكس بوت في «واشنطن بوست»، فإن الرئيس «يستطيع أن يأمر بقتل أحد قادة العدو»، إلا أنه لا يستطيع، بمجرّد «فرقعة أصابعه»، أن يُنهي صراعاً كالصراع الفلسطيني ــــ الإسرائيلي. الحقيقة أن ترامب لا يحاول حتّى القيام بذلك. كلّ ما في الأمر ليس سوى «حملة علاقات عامة وليس خطة سلام»، لأن السلام «يُصنع عادة مع الأعداء»، بينما خلا المهرجان الصحافي في البيت الأبيض إلا مِن وجهَي ترامب ونتنياهو وبعض الأصدقاء، وكلاهما في مأزق سياسي يحاول الانفكاك منه. من هنا، فإن الرؤية لا بدّ أن تُمثّل رافعة لكلٍّ منهما، وخصوصاً بين الناخبين المحافظين أثناء مواجهة مصيرهما. ربّما يكون هذا ما قصده ترامب لدى وصفه الخطة بأنها تشكّل «مكسباً للجميع». خطةٌ تبدو، لـ«نيويورك تايمز»، أشبهَ بـ«خريطة طريق» لمستقبل ترامب ــــ نتنياهو الشخصي، وليس لمستقبل الشرق الأوسط. ارتقى الرئيس الأميركي إلى مستوى جديد بينما كان يخطب من القاعة الشرقية الثلاثاء، محوّلاً «حفل السلام» في الشرق الأوسط إلى مهرجان انتخابي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، والإشارة لمجلة «فورين بوليسي». في الإطار ذاته، يعتقد روبرت مالي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية» في واشنطن، أنه لا يمكن استبعاد عنصر الانتخابات من توقيت إعلان «صفقة القرن»، وذلك لخدمة ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ونتنياهو في ثالث انتخابات برلمانية تشهدها إسرائيل خلال أقلّ من عام. ينبّه بوت أيضاً إلى ضرورة قراءة تفاصيل الورقة، ويشير، على وجه الخصوص، إلى الصفحة الـ 34، لمعرفة أن التزام ترامب بالدولة الفلسطينية مشروط بـ«معايير» لا يمكن تحقيقها مطلقاً: نزع سلاح المقاومة، الانتقال من الدعوة إلى القضاء على إسرائيل إلى التخلّي عن حقّ العودة، الاعتراف بيهودية الدولة... ذلك ليس الجزء المستحيل في الخطة، يقول الكاتب، فالشرط الرئيسي لإقامة الدولة هو إنشاء نظام حكم مع دستور. يعني هذا أن الاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة مشروط بتحقيق مستويات من الحكم (الديموقراطي) لم تُحقَّق في أيّ دولة في المنطقة.

دعا ساندرز إسرائيل إلى «إنهاء احتلالها، والسماح للفلسطينيين بتقرير مصيرهم في دولة مستقلة»


مضت ثلاث سنوات على إعلان ترامب أن السلام في الشرق الأوسط «لم يكن صعباً كما اعتقد الناس»، قبل أن يكشف عن خطة غير متوازنة، تعطي إسرائيل الكثير ممّا طمحت إليه، وتفرض شروطاً مخيفة على الفلسطينيين، حتى قبل بدء أيّ مفاوضات، بحسب ما تقول روبن رايت في «نيويوركر». وَصَف الرئيس خطته التي تفتقر إلى «الطاقة الدبلوماسية» أو أيّ «شعور بالإلحاح»، بأنها «الفرصة الأخيرة». ومع ذلك، فإنه «فشل في معالجة العديد من المشاكل» التي أدت إلى انهيار مبادرات السلام السابقة.

«كارثة القرن»
خرجت بعض الأصوات المعترضة مِن واشنطن. المعترضون الـ 12، وجميعهم من الأعضاء الديموقراطيين في مجلس الشيوخ، بينهم ثلاثة مِن مرشّحي الرئاسة للانتخابات التمهيدية، هم: بيرني ساندرز، إليزابيث وارين وأيمي كلوبوشار. هؤلاء عبروا، في رسالة إلى البيت الأبيض، عن رفضهم خطة ترامب شكلاً ومضموناً، إذ «تعكس مصالح طرف واحد، وهذا سيكون له تداعيات كبيرة، ويعرقل تحقيق السلام القائم على مبدأ حلّ الدولتين». جو بايدن، الأوفر حظاً للفوز ببطاقة الحزب الديموقراطي لمنافسة ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، رأى أن «خطة السلام تتطلّب أن يشارك الطرفان معاً، ولا يمكن اتّخاذ قرارات أحادية الجانب بضمّ أراضٍ محتلة والعودة بنا إلى الوراء»، لافتاً إلى أنه «أمضى حياته» في العمل على «توفير الأمن والرخاء للدولة اليهودية كي تحيا كدولة ديموقراطية. وما يقوم به ترامب ليس جيداً لإسرائيل». من جهته، اعتبر ساندرز أن الخطة «غير مقبولة»، وأنه «ينبغي على واشنطن أن تكون حَكَماً محايداً وعادلاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وأيّ صفقة للسلام يجب أن تلتزم بالقانون والشرعية الدوليين وقرارات الأمم المتحدة»، داعياً إسرائيل إلى «إنهاء احتلالها، والسماح للفلسطينيين بتقرير مصيرهم في دولة مستقلة جنباً إلى جنب إسرائيل». ودانت وارين، بدورها، الخطة باعتبارها «شيكاً على بياض لضمّ أراضي الضفة الغربية، وهي لا تقدّم أيّ فرصة لإنشاء دولة فلسطينية». أما السيناتور كريس فان هولن فوصف الصفقة بأنها «كارثة القرن»، وهي خطة «ضدّ السلام، ولن تؤدّي إلا إلى مزيد من الانقسام والصراع».
في مقابل الاعتراضات الخجولة، كان عرّاب الصفقة، جاريد كوشنر، يتنقّل بين الفضائيات عقب انتهاء مؤتمر ترامب ــــ نتنياهو. كوشنر، وهو كبير مستشاري الرئيس وصهره، الذي حفظ دوره بشكل جيّد بعد مضيّ ثلاث سنوات مِن العمل على الخطة، قدّمها بصفتها ستفتح مجالاً أمام «الحل السياسي» بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مثنياً، في حديث إلى «الجزيرة»، على «التنازلات» التي قدّمتها إسرائيل (تجميد الاستيطان لمدّة أربع سنوات)، لقبول الخطّة، وداعياً القيادة الفلسطينية إلى ألّا تضيّع «الفرصة التاريخية»، كما فعل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. الأخير، يقول كوشنر، كان يخشى التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين، حتى لا يتّهمه العرب بأنه خائن، لكن واقع الحال تبدّل، وأصبح العرب «يرجون القيادة الفلسطينية من أجل قبول الصفقة والتوصل إلى سلام مع إسرائيل». وإذ وصف الخطة بـ«الرائعة»، رأى أنها «تتيح لإسرائيل العيش بأمان في محيطها، وتتيح للفلسطينيين عرضاً لن يتكرر مرة أخرى، وهو الحصول على دولة». وظهر كوشنر لاحقاً في مقابلة على «سكاي نيوز عربية»، واصفاً ما قدّمه الرئيس الأميركي بـ«الخطة المتكاملة للسلام»، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي «تعهّد بتقديم الأموال لمساعدة الفلسطينيين، لكن يجب أن يتأكّد المانحون أنه لن يكون هناك إرهابيون».