«الخطأ» الأكبر الذي ارتكبته عصابات الهاغانا في الـ 1948، أنّها لم تذبح كل شعب فلسطين، ولم تهجّر من تبقّى منه خارج حدود «أرض الميعاد»، حسب أصول فنون الإبادة التي شهدناها مثلاً بحق الهنود الحمر في أميركا. في هذا الخطأ وحده يكمن مقتل «إسرائيل» التي تتغذّى يوميّاً من رعبها وقلقها وعزلتها. كلما قتلت ودمّرت وصادرت وهجّرت واستوطنت، يتزايد أهل فلسطين في بلدهم وأرضهم، ويواجهونها بالحقيقة المرّة.

يستطيع الاحتلال أن يقضم الأرض موقتاً، وأن يفصّل القوانين على هواه ويبني المستعمرات، ويملي شروطه على المؤسسات الدولية، لكنّه لا يستطيع أن يغيّر التاريخ. يستطيع أن يفرض منطقه بالقوّة، لكنّه لا يستطيع أن يلغي وطناً وهويّة وحقوقاً شرعيّة، ولا أن يواجه شعباً مجرد وجوده في أرضه فعل مقاومة. وكلّما نفخ الكيان الصهيوني اصطناعيّاً أسطورة «تفوّقه»، و«حضارته»، و«ازدهاره»، ازداد هشاشة وتفككاً وشكاً في قدراته... ومشى صوب نهايته، صوب هزيمته المحتومة. «إسرائيل» ساقطة حكماً، رغم تقاعس الأنظمة العربية وعجزها وتخلّفها وخياناتها، ورغم حماية كل الديموقراطيات الاستعماريّة في «العالم الحر» ورعايتها ودعمها. أليست تلك «الديموقراطيات» هي التي اخترعت اللاساميّة بالأمس القريب، واحتضنت «البربريّة» الكبرى مع معتقل «أوشفيتز» الذي مرّت قبل يومين ذكرى 75 عاماً على تحريره بيد السوفيات؟ ثم غسلت يديها من المحرقة، وتخلّصت من يهود أوروبا «بمنحهم» موطناً في «أرض بلا شعب» هي فلسطين؟
اليوم، لم يتغيّر شيء. لكن التراجيديا انقلبت ملهاة. ها هو معتوه البيت الأبيض، بعد تعثرات وتأجيلات، يعلن أخيراً عما سمّي «صفقة القرن»، وهي مشروع كرتوني ليس له أي ترجمة عمليّة على أرض الواقع، ولا يأتي بأي إضافة إلى معاهدات واتفاقيات الاستسلام السابقة. ها هو يتوّج سعيه لشطب الشعب الفلسطيني، وتصفية القضيّة الفلسطينيّة، برعاية الرجعيات الخليجيّة وتمويلها، كرمى لعينَي «إسرائيل»، هذا «الضوء الذي يغمر العالم» حسب تعبيره. وفي حضرة رئيس وزراء العدو الذي لم يخفِ فرحته، لم يفت ترامب، عشيّة الانتخابات في أميركا، تذكير ضيفه ببعض ما فعله من أجل الكيان الغاصب: انسحبتُ من الاتفاق النووي، أهديتكم القدس وقتلتُ سليماني الذي كان يريد تحريرها، كما أهديتكم الجولان... ماذا تريدون أكثر؟ يجب أن نسجّل أيضاً تحفة ترامب التي ستبقى في كتب التاريخ وآداب الدبلوماسية: «آن الأوان للعالم الإسلامي لأن يصحح الخطأ الذي ارتكبه عام 1948 بمهاجمة إسرائيل، وعلى القادة الشجعان إنهاء الصراع والعمل من أجل السلام».
نتنياهو، بعدما شكره معتوه البيت الأبيض على «جرأته»، قاصداً ربّما قبوله كل هذه «الشروط القسرية» التي تفرضها عليه «صفقة القرن» (!)، أعاد التذكير بـ«تضحياته الكبرى»: أي القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وشطب حق العودة، ونزع سلاح المقاومة، واعتراف الفلسطينيين بـ«يهوديّة دولة إسرائيل»... والسيادة على غور الأردن. إنّها لتضحيات جسيمة فعلاً. يبقى أن تجد طريقها إلى التطبيق.
بعد كل هذا الانتظار، تمخّض الجبل عن فأر. قصّ وترقيع عبثي في خريطة فلسطين (مع الإبقاء على الحدود واهية مع لبنان!)، تراجع عن «مكتسبات أوسلو» الهزيلة التي لم تحترمها «إسرائيل»، تكريس لسرقة القدس التي يريدونها «عاصمة موحدة لإسرائيل»، على أن يرمى للفلسطينيين بـ«جائزة ترضية» هي أبو ديس. و«خمسون ملياراً» كي يمارس الشعب الفلسطيني «أخيراً» حقه في «الرخاء والازدهار». ومهلة أربع سنوات لـ«ممثلي هذا الشعب» كي يفحصوا ضميرهم ويتنازلوا لمحتلهم وقاتلهم عن كل الحقوق. وعلى فكرة، مبروك، هناك ستة مليارات دولار للبنان كي يوطّن فلسطينييه، المشكلة البسيطة أن أربعة مليارات منها... على شكل قروض! حتى الآن، ليس هناك طرف فلسطيني في الكرنفال. أبو مازن أدان هذه «المؤامرة التي لن تمرّ»، وطمأنه العاهل السعودي إلى أنّه لن يتخلّى عن القضية الفلسطينية رغم تغطيته لصفقة ترامب. وتكلّم النظام المصري بحقارة تقشعرّ لها الأبدان. ورقص وزير الخارجيّة البريطاني فرحاً بهذه «الفرصة الحقيقية للسلام». وأعلنت الأمم المتحدة عن تمسكها بحل الدولتين على أساس حدود 1967، فيما اشتعلت الضفّة الغربية بتظاهرات الغضب. أما السلطة الفلسطينيّة فتواصل في هذه الأثناء حياتها الطبيعية في ظل اتفاقيات التعاون الأمني مع العدو.
هكذا، وبعد أربعة عقود ونيّف على «كامب دايفد»، وأقل من ثلاثة عقود على «أوسلو»، ها هي تراجيديا شرعنة الاحتلال، وتكريسه عبر معاهدات الاستسلام ومشاريع اغتصاب الأرض ومصادرة الحقوق، تتكرر في واشنطن. إنما، هذه المرّة، على شكل ملهاة، أو مهزلة فجّة. أي «صفقة» تلك وأي «قرن»؟ مبادرة شائهة ضد المنطق، وضد الحق، وضد حركة التاريخ. حتى إن خدم ترامب الأذلّاء، لم يمتلكوا كلّهم الجرأة على مجاراته، وحضور مسرحيّة إعلان خطّته «للسلام في الشرق الأوسط». لم يأتوا للقيام بدورهم ككومبارس إلى جانب زملائهم من الإمارات والبحرين وعمان. لكن خلافاً لما شهدناه في السابق من صفقات استسلام وتنازل عن الحقوق، ميزة الرئيس ترامب ــــ ولعلّه الوجه الصريح والحقيقي لأميركا ــــ أن لديه من الغطرسة والبلاهة والفوقية والجهل، ما يجعله مهرّجاً مسلياً، لا يصدّقه أحد، حتى حين يقطر الدم من أنيابه البلاستيكيّة، ويختلط باللعاب على جانبَي فمه الشره.
هذه المرّة، يعرف المهرّج جيداً أن المعادلات الشعبية والاستراتيجيّة تغيّرت في المنطقة العربية، وأن مسوخ النظام العربي لن ينفعوه بشيء. كل من فهم طبيعة الهجوم الصاروخي على «أرامكو» وعلى «عين الأسد»، يعرف ذلك. كل من استخلص الدروس في اليمن وفي سوريا أيضاً، وفي العراق حيث انتفض شعب كامل ضدّ الاحتلال. ومن يرهق نفسه في كل محاولات الحصار والالتفاف والوصاية على لبنان، يفعل ذلك لأنّ فيه مقاومة تعرف جيداً طريق فلسطين، مهما حاول «المرتدّون الجدد» عندنا أن يقنعونا بأن سلّم الأولويات قد تغيّر. إذا لم تسقط «صفقة القرن» وحدها كثمرة مهترئة، فإن عنوان المرحلة المقبلة سيكون إسقاطها بالوسائل المناسبة. لن يجد العرب، في هذه المرحلة، «حليفاً» أفضل من دونالد ترامب.