لن يكون مفاجئاً ألّا يعثر مَن يسجن نفسه داخل صندوق المفاوضات على أدوات «مواجهة» إلا من النوع الذي يُبرّر التسليم بالوقائع التي فرضها الاحتلال، تحت عنوان الواقعية المُضلِّلة. والفذلكة التي يستند إليها أصحاب هذا النمط من التفكير هي أن القليل خير من الحرمان، وأن العاقل عندما يُخيَّر بين الشيء القليل واللاشيء، فمن الطبيعي أن يختار الأول. قد يصحّ الأخذ بهذه المعادلة في بعض السياقات، لكن في مواجهة عدوّ كالكيان الإسرائيلي، وفي مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، فإن أيّ منطق قد يَستشرف منه أيٌّ منهما ضعفاً واستعداداً للتسليم بالوقائع التي فرضاها مقابل الحصول على القليل سيُجرّئهما على ما هو أبعد من ذلك، وهو ما حصل، ولن يؤدي في نهاية المطاف سوى إلى خسارة كلّ شيء. فالقبول بـ«أوسلو» لم يأتِ فقط لصالح شرعنة الاحتلال الإسرائيلي لمعظم فلسطين، بل مَهّد الطريق - أيضاً - لضياع مساحات واسعة جدّاً من الضفة الغربية، من دون أن ينتج دولة أو ما يقرب منها. لكن أصحاب الخيار الاستسلامي يتذرّعون بأن رفض خطط التسوية لم يؤدّ هو الآخر، عبر تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، سوى إلى تمدّد المشروع الصهيوني، وخسارة ما تبقى، وهو ما حصل بعد رفض مشروع التقسيم عام 1947 - والذي كان يفترض أن يمنح الصهاينة نحو 55% من فلسطين - حيث ضاعت فلسطين وتمّ تهجير أغلبية شعبها. مقولةٌ تنطوي على الكثير من التضليل، لكونها تتجاهل أن ما طُرح في حينه جاء منسجماً مع المرحلة التي كان يمرّ بها المشروع الصهيوني، وبما يتناسب مع واقعه الديمغرافي والظروف الإقليمية والدولية، الأمر الذي سبق أن أوضحه ديفيد بن غوريون بنفسه. والنتيجة أن الاعتراف الفلسطيني بقرار التقسيم في حينه لم يكن ليؤدي إلّا إلى إسباغ الشرعية على الكيان الدولتي الصهيوني، الذي سيشكّل قاعدة انطلاق للمشروع الصهيوني، وتمدّده لاحقاً تحت عناوين وشعارات أخرى.

كذلك، يتجاهل البعض حقيقة أن تسلسل الهزائم لا يعود إلى موقف الرفض لمشاريع التسوية وما شابهها، بل إلى الخيارات اللاحقة التي تمّ انتهاجها في مواجهة الاحتلال. كما يتجاهل هؤلاء أن فشل خيارات نضالية في ساحات محدّدة لا يعني أن كلّ خيارات المواجهة فاشلة، والدليل أن ما آل اليه بعض تجارب المقاومة في بعض مراحل الصراع لم ينسحب على المقاومة في لبنان، التي حققت انتصارات تاريخية غَيّرت معادلات الصراع مع إسرائيل. يضاف إلى ما تقدّم أن مراهنة إسرائيل على أن القضاء على المقاومة الفلسطينية في الأردن، ولاحقاً في لبنان، سيؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية، تمهيداً لفرض الحلول الاستسلامية على أصحابها، أثبتت فشلها؛ إذ إن المقاومة انتقلت إلى داخل فلسطين. أما ما تشهده فلسطين من عربدة إسرائيلية - أميركية يعود، في جزء أساسي منه، إلى الطوق العربي المفروض حول الشعب الفلسطيني لمنع إمداده بأسباب القوة التي يستطيع من خلالها الدفاع عن نفسه وعن قضيته. مع هذا، وعلى الرغم من صعوبة الظروف التي يعيشها قطاع غزة، فقد استطاعت المقاومة أن تفرض معادلات لا تتناسب مع المفهوم التقليدي لعناصر القوة، في سياق حركة المواجهة مع كيان العدو، الأمر الذي يؤكد مجدداً أن فتح الحدود أمام إمداد الشعب الفلسطيني بالقدرات العسكرية والصاروخية كفيل بتغيير المعادلات بشكل جذري.
اليوم، لن يؤدي انتهاج خيار التكيّف مع «صفقة القرن»، ومحاولة إحداث تعديلات جزئية هنا وهناك، إلا إلى إضفاء شرعية فلسطينية على ما تمّ ويتمّ تنفيذه. ذلك أن «صفقة القرن» لم تكن حصيلة مفاوضات فلسطينية - إسرائيلية، ولا مفاوضات عربية - إسرائيلية برعاية أميركية، بل حصيلة تفاهمات أميركية - إسرائيلية يتمّ إملاؤها على الطرف الفلسطيني، بصمت و/ أو دعم عربي - خليجي. والجدير ذكره، هنا، أن معظم بنود الصفقة تمّ تنفيذه قبل أن يتمّ الإعلان عنها؛ إذ اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومن ثمّ نقلت سفارتها إليها، وهي سابقاً ولاحقاً ترفض الإقرار بقضية اللاجئين، كما أنها وسّعت في ظلّ إدارة دونالد ترامب دائرة شرعنة الاستيطان لتشمل كلّ أو أغلب مستوطنات الضفة الغربية، بعدما اقتصر الأمر في عهدَي جورج بوش الابن وباراك أوباما على الكتل الاستيطانية الكبرى التي أُقرّ أن تكون جزءاً من إسرائيل في أيّ تسوية لاحقة.

لن يؤدي التكيّف مع «صفقة القرن» إلّا إلى إضفاء شرعية فلسطينية على ما تمّ ويتمّ تنفيذه


هكذا، لم يترك الأميركي والإسرائيلي أمام الفلسطيني سوى خيار من اثنين: إما التكيّف مع الوقائع والتسليم بها، وإما المواجهة. في ما يتعلّق بخيار التكيّف، وهو التعبير الملطّف للاستسلام في هذه الحالة، فلن يعدو كونه إعلاناً مباشراً عن الاستعداد للتسليم بمخطط تصفية القضية الفلسطينية. أما المواجهة، بمعايير مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته، فالمؤكد أن كلفتها تبقى أقلّ بكثير من كلفة الاستسلام، خصوصاً أنه لم يعد لدى الشعب الفلسطيني ما يخسره، فيما تبدّدت أوهام الرهان على التسوية لاسترجاع ولو جزء يسير من حقوقه، حتى بثمن التخلّي عن معظم فلسطين. وعليه، لم تعد المواجهة بجميع أشكالها وأساليبها المسلحة والمدنية خياراً للشعب الفلسطيني من ضمن مجموعة خيارات، بل أضحت خياراً وحيداً لا ثاني له أكثر من أيّ وقت مضى. القبول بـ«صفقة القرن»، تحت أيّ عناوين ملتوية، لن يعني سوى إضفاء الشرعية الفلسطينية على الوقائع التي فرضها الاحتلال وشرعنتها الإدارات الأميركية على مراحل. وبالتالي، فإن رفض الصفقة هو الخيار العاقل الذي يصبّ في مصلحة الشعب الفلسطيني، على أن يكون ذلك مقدّمة لبلورة سيناريوات المواجهة على أساس تدفيع الاحتلال ثمن سياساته، وتلك هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تُحدث فارقاً في المعادلة.
لعلّ من العناصر الإيجابية في هذا المشهد انعدام الفروقات بين الأحزاب الإسرائيلية الرئيسة في الموقف من المستوطنات والقدس وغور الأردن، الأمر الذي يسلب أنصار الترويج لوهم التسوية مادة سياسية طالما استندوا اليها من أجل تغليف خيار الاستسلام برهانات لم تنتج إلا المزيد من الخسائر وتضييع الوقت. والنموذج الأبرز لذلك هو أن سياسة التكيّف في مواجهة التمدّد الاستيطاني لم تؤدِّ إلى إنقاذ القليل، بل أودت إلى مفترق طرق حاسم، بين التسليم بضياع ما تبقى من أرض وحقوق، والمقاومة الشعبية والمسلحة.