بثينة سليمان

السأم. لطالما شعرت به عند زيارتي عيادة الاونروا في المخيم. فعلاً لا استطيع تحديد اساس هذا الشعور! ولم يتسلل الى نفسي ضيق شديد لدى وجودي هناك؟! فمنذ الطفولة اقترنت زياراتي لها «بشكة» ابر اللقاح التي مازالت ندبتها كالوشم أعلى كتفي. واليوم ما أن أطأ باب المدخل حتى يقرع فيّ طبل داخلي كاعلان بدء المعركة: فلأتجهز بالصبر. فهذا اللون الازرق الذي يتمطى ببطء على الابواب والنوافذ لم يلهمني يوماً هدوءاً نفسيا!

وما ان تستقر قدماي على ارضية بهو المبنى حتى أرى جمهورية صغرى من وجوه اكتملت الكآبة في ملامحها، آتية على عجل باكراً، تقتات من طول البال كفطور صباحي. لطالما كنت أحجم عن المجيء الى هنا، ولكني ايضا بائسة مثلهم! نرفع ايدينا ممسكين بكارت الاعاشة وندس رؤوسنا في شباك الموظف لأخذ بطاقة الدخول للطبيب.
اخذت بطاقتي وجلست أنتظر مع المنتظرين. الملل يسيل من ملامحهم، بقربي كانت سيدة سخية الحزن تحتضن ابنها وقد دفن رأسه بصدرها والالم يغرق في عينيه، تشجعه على تناول قطعة من البسكويت، وتشكو تكاليف الفحوصات الباهظة التي لا تتكفل بها الاونروا. رجل سبعيني يجلس بصمت وقد نهش التعب ملامحه، ينتظر دواء الضغط والسكري ككل شهر. شاب آخر أمامي يُحزّم خده بيده، لعله يمنع توثب الوجع مرّة أُخرى ويشكو خسارته في كل زيارة سناً او ضرسا!.
جاء الفرج: جملة الخلاص تُقال دوماً عندما يظهر الموظف وينادي على من حان دورهم، وكأنه قائد جيش ينادي على من حان وقت تجنيدهم!.
المكان يعج بالوجوه والاصوات، والممرات والغرف والمقاعد التي تحتفظ ببرود الوقت.. فهم الشهود الخُرس على حكايات من هم أنبياء السأم!. «اذا اجيت عالعيادة يعني راح يومك كله» هذا ما سمعته من سيدة هناك. جاء دوري للدخول الى الطبيب، فتفحصني على عجل وكأنه في سباق مع الضوء! ثم امتشق الورقة ليكتب لي الدواء «فهناك طابور ينتظر، تصل اعداد الزائرين للعيادة يومياً ما بين 500 و700، وبوجود النازحين من سوريا يصل العدد لاكثر من ذلك ولا مجال للتروي» هذا ما قاله الطبيب.
حسناً، اتممنا المهمة، بقي استلام الدواء من الصيدلية التابعة للعيادة، وهذا يلزمه وقوف امام شباك آخر! يا ليوم الشبابيك! تهمس احداهن وقد علقت ابتسامة ساخرة على شفتيها «ليش دوا هالاونروا منيح؟ بس شو بدنا نعمل ما النا غيره»، وتردّ أُخرى «أصلا الاونروا بطّلت متل قبل! بدنا نقول الله يقطعها؟ ماهو ما النا غيرها؟».
نعم هذا الشعور العام بالسخط لم يكن مزاجياً بل هو واقع معاش ومقلق. أخذت دوائي وقلّبته بين يدي وانا أقرأ عدد جرعاته، ثم خرجت.. وقفت خارجاً أتمعن هذا اللون الازرق... فعلاً هذا الازرق لم يُشعرني يوماً بهدوء نفسي.