في الإعلام «الليبرالي» الأميركي، قُرئ اعتداء الولايات المتحدة على «الحشد الشعبي» بوصفه ردّاً على مقتل متعاون أميركي في كركوك. هو التبرير نفسه الذي ساقه دونالد ترامب لتبرير عدوان الأحد. وهذه، للمفارقة، مِن المرّات النادرة التي يَتّفق فيها الرئيس والصحافة على رواية واحدة لحدَثٍ بهذا الحجم. عشية السنة الجديدة، اقتحم أنصار «الحشد» السفارة الأميركية في بغداد، في حادثة شكّلت قلقاً لدى واشنطن التي ألِفَت «مشاهد» كتلك. وعلى الرغم من أن سفاراتها تعدُّ «أهدافاً دائمة» كما تقول، إلا أن ما جرى «سيترك آثاره إن كان على مستوى السياسة الخارجية، أو حتى الداخلية» لأميركا، وفق «واشنطن بوست».

وعلى الرغم من أن أيّ إصابة لم تُسجَّل في صفوف الدبلوماسيين والموظفين الأميركيين، فقد استحضرت الحادثة نظيرتها في المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي عام 2012، حين قتل أربعة أميركيين، من بينهم السفير. ولعلّ الضجّة التي أُثيرت في شأن ما جرى في ليبيا أضعفت إلى حدٍّ بعيد حظوظ هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية آنذاك، في الفوز أمام ترامب في رئاسيات 2016. في هذا الإطار، تسود مخاوف لدى البيت الأبيض من أن تؤدي حادثة الأحد إلى إضعاف حظوظ ترامب، تماماً كما جرى مع سلفه جيمي كارتر، الذي ساهمت أزمة الرهائن وأحداث السفارة الأميركية في طهران في عام 1979، في حرمانه من الفوز بولاية ثانية. يضع ذلك البيت الأبيض أمام خيارين: إما الذهاب إلى مواجهة (لا يريدها ترامب)، أو محاولة التقليل من الخسائر. ومع استبعاد السيناريو الأول، كون الرئيس الأميركي «يحبّ السلام»، وفق ما صرّح به من فلوريدا، فإن الكفّة باتت تميل نحو إيجاد حلول للخروج من حالة التوتر المتفاقمة بين إيران التي يتّهمها ترامب بـ«تدبير الهجوم»، والولايات المتحدة، قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع في تشرين الثاني/ نوفمبر.
هل أصبح العراق «مركز التوتر الإيراني - الأميركي»؟ بحسب وسائل الإعلام الأميركية، فإن العدوان على «الحشد الشعبي» مضافةً إليه «حادثة السفارة»، أدخلا الولايات المتحدة في أزمة خطيرة، وجذباها أعمق نحو الاضطرابات التي تجتاح العراق وإيران. في هذا الإطار، ترى «هيئة التحرير» في «نيويورك تايمز» أن اقتحام مجمع السفارة الأميركية يوحي بأن «دوامة جديدة من العنف» بين واشنطن وطهران قد بدأت بالتشكُّل، على رغم «إنهاء الحصار». وإن كان صادقاً في قوله إنه يرغب في تجنّب الحروب في الشرق الأوسط، إلا أن ترامب أرسل رسالة مفادها بأنه «لن يتم التسامح مع قتل الأميركيين». وترى الصحيفة أن «الحشد الشعبي» كان «يحاول استدراج هذا الردّ»، لرهانه على أن استفزاز أميركا لشنّ غارات جوية داخل العراق سيحوّل المشاعر الشعبية تجاه الأعمال العدائية لواشنطن. بالنسبة إلى إيران، وبصرف النظر عن حساباتها السياسية في العراق، فهي «تكافح أيضاً تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأميركية، وتودّ بلا شك أن تجعل العداء الأميركي مكلفاً قدر الإمكان لإدارة ترامب»، بعد قرار هذه الأخير الانسحاب من الصفقة النووية، وفرض عقوبات قاسية ضدّ طهران. وتنصح «هيئة التحرير» الرئيس بـ«التخفيف من حدّة التوتر عن طريق فتح شكل من أشكال الحوار مع إيران، سواء في شأن إعادة التفاوض حول الصفقة النووية أو حلّ النزاعات في اليمن أو سوريا».

ما جرى الأحد «سيترك آثاره إن كان على مستوى السياسة الخارجية، أو حتى الداخلية» لأميركا


ومن الأدلة على استبعاد التصعيد، أن الخطوات الاستعراضية التي اتّخذها «البنتاغون» بقيت في نطاق دفاعي محدود، اقتصر على تعزيز قوة الحراسة للمجمّع بإضافة 750 جندياً. ونشرت وزارة الدفاع مجموعة صور ومقطعاً مصوراً لعملية نشر قوات أميركية في منطقة عمليات القيادة المركزية على خلفية «تزايد مستوى تهديد الموظفين والمنشآت الأميركية» في العراق، بحسب ما ذكرت خدمة بث الأخبار المتعلقة بالجيش الأميركي. وبحسب وزير الدفاع مارك إسبر، فإنه بناء على توجيهات القائد العام، سيتم نشر كتيبة مشاة من الفرقة 82، المحمولة جواً في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية في الكويت، «كما سيتم نشر قوات إضافية خلال الأيام المقبلة».