لا يزال السؤال حول نتائج الاعتداء الأميركي على «الحشد الشعبي» في غرب العراق معلّقاً؛ ذلك أن تحديد الإجابة في هذا الاتجاه أو ذاك يبدو مرتبطاً بعوامل أخرى. قد يكون المحتلّ الأميركي رمّم، مرحلياً وجزئياً، صورته التي طغى عليها الانكفاء أخيراً بعد امتناعه عن مواجهة عمليات منسوبة إلى إيران ضدّ مصالحه ومصالح حلفائه، إلا أن هذا الترميم جاء منقوصاً، وربما أيضاً معاباً، على رغم الخسارة التي ألحقها بالقوات الأمنية العراقية. ولعلّ ما يدلّ على أن «الترميم» كان هدفاً بذاته هو مسارعة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى الاتصال بحلفائه الإقليميين في إسرائيل والخليج، ليستخدم الاعتداء على «الحشد» بشكل مبالغ فيه في إطار إظهار حالة «اللاانكفاء» في مواجهة إيران. إلا أن المفارقة، التي يجب أن تكون حاضرة في استشراف مرحلة ما بعد الاعتداء، هي أن الانكفاء الأميركي لم يتغيّر في الواقع، بل ثَبت في السياق أن الإدارة الأميركية لن تلجأ إلى خيارات من خارج صندوق الخيارات «الانكفائية» ضدّ إيران، حتى وإن كانت الأسباب قاهرة ودافعة إلى أفعال متطرفة.

سردية مواجهة إيران...

لا العراق
روّجت الولايات المتحدة ولا تزال لسردية تقول إن التصعيد الأخير في العراق إنما هو في سياق التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة العراقية، وغيرها من ساحات الإقليم. هذه السردية، التي تُخرج العراق والعراقيين من مشهد المواجهة، تُعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الاعتداء نفسه، بهدف تحويل المواجهة من أميركية ــــ عراقية هي نتيجة أكثر من طبيعية لاستهداف «الحشد»، إلى مواجهة أميركية ــــ إيرانية، مع الأمل في أن تتسبّب بدفع بغداد إلى مواجهة طهران تلافياً لمزيد من الخسائر. لكن ذلك الهدف، الذي بدا واضحاً في الخطاب الأميركي الرسمي، لم يتحقّق عملياً، وإن استجلب مواقف «متخاذلة» من قِبَل أتباع الولايات المتحدة في العراق، سواء عن اقتناع أو عن غباء. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المواقف التي صدرت عن عدد من الشخصيات والكتل السياسية والمرجعيات في العراق، والتي بدت أقرب إلى تبرير الاعتداء ومحاولة الحدّ من تداعياته، مكّنت المحتل الأميركي، ليس فقط من تجاوز أثمان ما أقدم عليه، بل ومن أن يبني عليها في ما يمكن أن يقدم عليه لاحقاً من اعتداءات. وهنا، يكون التقدير الأميركي المسبق للموقف «المتخاذل» لتلك الأطراف واحداً من أهم العوامل التي سمحت له باستهداف العراقيين، والتي ستسمح له بتكرار فعلته مستقبلاً.

إسرائيل مرحبة... وقلقة
جاء الموقف الإسرائيلي من الاعتداء الأميركي مزيجاً من ترحيب وقلق وانتظار، في ظلّ تساؤلات عمّا إذا كان تعبيراً عن «تحوّل» ما ضدّ «العدو الإيراني المشترك»، كما ورد على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أو «إمكانية تحوّل» وفق تقديرات مسؤولين عسكريين إسرائيليين قدّموا قراءة أكثر تواضعاً ومواءمة للواقع، أم أنه ليس إلا ترسيخاً للانكفاء الأميركي عن مواجهة إيران عسكرياً. رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، جدّد، أمس، ترحيبه بالاعتداء، مع «تأييد كامل لخطوات الولايات المتحدة في العراق من أجل الدفاع عن نفسها». موقفٌ يكشف تطلّع إسرائيل إلى تعزّز الردع بوجه أعداء الاحتلال الأميركي في العراق، بما يؤدي إلى ترحيل فرضية الانسحاب عن جدول الأعمال اليومي للإدارة الأميركية، وتالياً إلى قيام الأخيرة بنفسها بصدّ التهديدات الكامنة في العراق ضدّ إسرائيل، أو أقلّه الحدّ منها، علماً بأن واحداً من أهم عوامل منع تنامي تلك التهديدات هو بقاء القوات الأميركية في العراق لآجال بعيدة.

لا تقوى إسرائيل على إنهاء تهديد قوس أعدائها، وإن كانت قادرة على إلحاق الأذى المتفرّق بهم

والجدير ذكره، هنا، أن الردع المأمول إسرائيلياً مرهونٌ بجني أثمان بشرية من القوات العراقية نفسها، المشهود لها بالعداء لإسرائيل، والتي هي مصداق لحالة تهديد كامنة قد تخرج من حيّز الإمكان إلى الفعل، في ما كان يُعرف طويلاً بـ«تهديد الجبهة الشرقية». وهذا ما يفسّر أيضاً الترحيب الإسرائيلي باستهداف «الحشد»، الذي يشكل في ذاته تهديداً يخشاه الكيان، وليس فقط لكونه متصلاً بقوس أعداء تل أبيب. لكن هل من شأن الاعتداء الأميركي، فعلاً، إنهاء أو تقليص أو منع تنامي التهديد في العراق، وفق ما تتمنّى إسرائيل؟ الإجابة تتأرجح بين فرضيتين: إما أن يتسبّب بتعظيم المقاومة للاحتلال الأميركي وإن لاحقاً، وإما أن يؤدي إلى إنهائها.

المبادرة الإسرائيلية... محدودة
لا تقوى إسرائيل على إنهاء تهديد قوس أعدائها، وإن كانت قادرة على إلحاق الأذى المتفرّق بهم. والأكثر تأكيداً أنها غير قادرة وحدها على مواجهة إيران، ناهيك عن مواجهة إيران وحلفائها معاً. نتيجة ذلك، تعمل إسرائيل على التسبّب بمواجهة أميركية ــــ إيرانية، والدفع في اتجاه تصعيد الضغوط على طهران بشكل قاسٍ ومتواصل، إلى أن تستسلم أو يسقط نظامها. كذلك، تحرّض تل أبيب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، واشنطن على شنّ حرب عسكرية على طهران إن قاومت الأخيرة الضغوط عليها، أو في الحدّ الأدنى إفهامها أن الخيار العسكري جدّي إن لم تنفع الخيارات البديلة الأخرى. إلا أن الموقف الأميركي المُعلَن وغير المُعلَن يبدو مغايراً تماماً، وهو ما يثير قلق إسرائيل، وخصوصاً أن إيران وحلفاءها يدركون هذا الواقع، ويعملون بموجبه، الأمر الذي يُفقد استراتيجية «الضغط الأقصى» فاعليتها.
كابرت إسرائيل ولا تزال في مواجهة المعطيات المتقدّمة؛ فهي لا يمكنها التعايش مع واقع تعاظم التهديدات بلا أفعال مقابلة، فيما الإدارة الأميركية تمتنع عن المواجهة أو التهديد بها، الأمر الذي ألزم تل أبيب بأن تقتنص بنفسها ضربات لا تغيّر بذاتها من واقع التهديدات الشيء الكثير. تختلف هذه الضربات من ساحة إلى أخرى؛ فهي نادرة جداً في لبنان، ومتاحة ضمن قواعد اشتباك في سوريا، وحديثة في العراق الذي بدأ يتحوّل إلى مكوّن تهديدي بإمكانات هائلة. نقل المواجهة إلى العراق مطلب إسرائيلي وَرَد التشديد عليه على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي، وفي مقدّمهم نتنياهو، الذي لم يكتفِ بإعلان النيات العدائية تجاه الساحة العراقية، بل أقرّ أيضاً بأنه نفذ هجمات فيها وتوعّد بالمزيد منها. إلا أن توجيه ضربات في العراق يستدعي من إسرائيل التنسيق المسبق مع الجانب الأميركي، وبمستوى أعلى مما تشهده ساحات أخرى؛ إذ إن التداعيات هنا قد تصل الى حدّ الإضرار بالقوات الأميركية. وهذا ما فرض على إسرائيل قواعد اشتباك خاصة، في مقدّمها الامتناع عن الهجمات إن كان من شأنها الإضرار بالحليف الأميركي. اليوم، بعد الاعتداء الأميركي على «الحشد»، بات هامش المناورة لدى إسرائيل على الساحة العراقية ضيّقاً جدّاً، إلى حدّ الانكفاء شبه المطلق، وخصوصاً أن الاعتداءات الإسرائيلية من الآن وصاعداً، وحتى آجال غير منظورة، ستتسبّب بتحفيز الردّ العراقي على الأميركيين، وإعلاء مستوى التوتر في العراق ضدّ الاحتلال، مع زيادة في إحراجه وإحراج أتباعه.