لم يكن عَرَضياً تزامن تهديد رئيس أركان جيش العدو، أفيف كوخافي، بمهاجمة العراق، مع الاعتداءات التي شنّها الجيش الأميركي ضد مواقع «الحشد الشعبي» على الحدود السورية ــــ العراقية. إذ عكست الاعتداءات، في استهدافاتها وسياقها وتوقيتها، قراراً أميركياً بتلبية الصرخة التي أطلقها رأس المؤسسة العسكرية في كيان العدو قبل أيام أمام «مؤتمر هرتسيليا»، حول ضرورة الارتقاء إلى سياسة عدوانية جديدة ضدّ حلفاء إيران في العراق، الذي لم يُخْفِ كوخافي قلق تل أبيب من الواقع المتشكّل فيه، وبروز «الحشد» كقوة إقليمية آخذة في التصاعد، يمكن أن تشكّل سدّاً جدّياً أمام المخططات التي تستهدف هذا البلد.

أياً يكن مَن يحكم العراق، لا تستطيع المؤسسة الأمنية والسياسية في تل أبيب، لأسباب جيواستراتيجية، تجاهل الواقعين السياسي والأمني على الساحة العراقية. بتعبير آخر، أيّ نظام سياسي في العراق لا تلبّي خياراته الاستراتيجية مصالح إسرائيل ترى الأخيرة فيه بالضرورة تهديداً محتملاً ينبغي معالجته بشكل مباشر أو غير مباشر. ولا علاقة لهذا التوصيف بظرف سياسي دون آخر؛ ذلك أن ثوابت الجغرافيا تجعل من حياد بغداد خياراً غير واقعي على الإطلاق. ومن هنا، كان العراق ولا يزال حاضراً بقوة في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو ما تُعدّ الشواهد عليه أكثر من أن تُحصى، وهي تغطي العقود السبعة الماضية، منذ لحظة إعلان قيام «دولة إسرائيل» عام 1948، إلى ما قبل أيام على لسان رئيس أركان الجيش.
لم تكن مواقف كوخافي تلك مفاجئة، بل مثلت مؤشراً صارخاً على اقتراب مرحلة جديدة من السياسة العدوانية ضد العراق، وخصوصاً أنها شكلت امتداداً لمواقف سياسية وأمنية سابقة حول خطورة الواقع المتشكل في بلاد الرافدين على الأمن القومي الإسرائيلي، وأنها تتطابق مع التوجه الرسمي الذي عبّر عنه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في أكثر من مناسبة، بتأكيده أن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء تصاعد قوة العراق نتيجة الدعم العسكري الذي تقدّمه له إيران. أضف إلى ما تقدّم أن العراق يشكّل إحدى الساحات التي تقع على مهداف الاستخبارات الإسرائيلية في هذه المرحلة تحديداً (إسرائيل اليوم، يوآف ليمور، 10/1/2019).

يبدو أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على بعض الأصوات التي ستصدر من داخل العراق


بصراحة، أعلن كوخافي، في كلمته أمام «مؤتمر هرتسيليا» قبل أيام (25/12/2019)، أن إسرائيل لا يمكن أن تمرّ على عملية نقل الأسلحة الإيرانية إلى العراق بدون معالجة، مؤكداً أنها «لن تسمح لإيران بالتمركز في المنطقة الشمالية بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص»، واصفاً هذا التمركز بأنه «تفاقم في التهديدات»، وهو ما يشكل في نظره دافعاً إلى التحرك العملاني. إذ إنه، في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية، يمنع على العراق أن يكون قوياً ما دام بالإمكان منع ذلك. مَثّلت كلمة كوخافي، التي حملت عنوان «الجيش الإسرائيلي: التحدّيات والردّ» (في إشارة إلى ما تشهده البيئة الإقليمية للكيان من تطورات في غير مصلحته، وما تستوجبه من خيارات مقابلة) مؤشراً داهماً إلى تطوّرٍ ما سيشهده العراق، لكن كان السؤال: كيف؟ ومتى؟ وبأيّ أسلوب؟ وبالفعل، لم تكد تمرّ خمسة أيام على صرخته التحذيرية أمام «مؤتمر هرتسيليا»، حتى بادرت الولايات المتحدة، بقدراتها العسكرية المباشرة، إلى تنفيذ التهديد الإسرائيلي، وتحديداً في منطقة القائم التي تقع على المهداف الاستخباري والعملاني للعدو.
قبل الاعتداء الأميركي الأخير، كان كوخافي قد انتقد السياسة الأميركية ضمناً؛ كونها انكفأت عن التصدّي المباشر لإيران وحلفائها، محذراً من تداعيات ذلك على إسرائيل. وفي هذا المجال، قال إنه في مواجهة السياسة الإيرانية «لا يوجد ردّ، ولا نشاطات مضادة، ولا عملية انتقامية، ولا ردع»، مضيفاً إن الوضع «سيكون أفضل لو لم نكن وحدنا. نحن نعمل ضدّهم بشكل هجومي، وننوي مواصلة هذه النشاطات». وبعدما «لبّى» الجيش الأميركي طلب كوخافي، بادر وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى التعبير الصريح عن رسائل هذا الاعتداء ورهانات تل أبيب على مفاعيله في الساحتين العراقية والإقليمية، بالقول إنه «يشكل نقطة تحول في الواقع الإقليمي في مواجهة سياسة إيران وحلفائها». من الواضح أن هذا التقدير ينطلق من كون الاعتداء الاميركي مؤشراً إلى سياسة عملانية جديدة في العراق، تجسّد «الارتقاء» الذي دعت إليه تل أبيب، وهو ما تأمل أن يشكل بداية تغيير في موازين القوى، تمهيداً لتبدّل في المشهد الإقليمي لمصلحة إسرائيل.
وفي هذا الإطار، يبدو أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن بعض الأصوات التي ستصدر من داخل العراق بشكل عام، ومن قلب «البيئة الشيعية» تحديداً، ستشكّل عامل كبح لـ«الحشد الشعبي» وفصائل المقاومة، يردعها عن الثأر لدماء قادتها وعناصرها، تحت عناوين وشعارات سياسية متداولة. ولو تحقّق رهانهما، فهو سينطوي على رسائل خطيرة جداً، كونها ستجعل واشنطن أكثر جرأة في الاعتداء والتمادي به، وستعزّز لديها الرهان على إمكانية فرض معادلات جديدة في ما يتصل بمستقبل العراق.
أما لو تبدّدت هذه الرهانات، وتَلمّس الأميركي نتائج اعتدائه الدموي، فسينقلب ما رأت فيه تل أبيب فرصة استراتيجية إلى تهديد أكثر خطورة، كونه سيؤدي إلى مزيد من الانكفاء الأميركي في مواجهة محور المقاومة، ويُعبِّد الطريق نحو عراق «نظيف» وبعيد من نفوذ الولايات المتحدة، الأمر الذي ستكون له انعكاساته على مستقبل المنطقة عموماً.