القاهرة | كانت 2019 مختلفة عمّا سبقها من سنوات تلت وصول عبد الفتاح السيسي إلى كرسيّ الرئاسة في مصر؛ فقد علت أصوات المعارضة بصورة ملحوظة من جرّاء الكشف عن جزء من عمليات الفساد في مشروعات عديدة، وذلك بعدما مدّد السيسي ولايته الثانية بموجب التعديلات الدستورية، بل ومنح نفسه فرصة البقاء في السلطة رسمياً حتى 2030 على الأقلّ، وهو ما ألزمه باتخاذ مجموعة خطوات قبيل انتهاء العام لتنفيس الغضب الكبير.

شكّلت سنة 2019 عاماً مصيرياً في حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فعلى رغم أن عملية تجديد ولايته لإعادة انتخابه انطلقت في 2018، ومرّت من دون حراك على الأرض، إلا أن التعديلات الدستورية التي تضمّنت تمديد ولاية الرئيس الحالية لتنتهي في 2024 بدلاً من 2022 عادت لتتفجّر ارتفاعاً في حدّة الأصوات المعارضة لها في عام 2019. معارضةٌ عزّزها ما كشفه المقاول والممثل محمد علي عن الفساد في آلية العمل داخل منظومة الدولة، وبإشراف مباشر من الجيش ممثلاً في «الهيئة الهندسية».
منذ 2014، ومع خلعه بزّته العسكرية ليترشّح للرئاسة بعدما أطاح الرئيس الراحل محمد مرسي من السلطة، يحظى السيسي بنسبة تأييد تناقصت مع السنوات. تناقصٌ لا يرغب «الجنرال» في الاعتراف به مطلقاً، وهو ما ظهر في أكثر مناسبة، لكن تجلّيه الأهم كان في خروج تظاهرات للمطالبة برحيله، نجحت في تحريكها فيديوات علي، خصوصاً منها مع ما عرضه في أيام هربه الأولى. لم يكن علي معروفاً سوى بكونه ممثلاً ينتج على نفقته الخاصة، لكن فجأة انفجر غضب المقاول الذي كان يتفاخر بعمله في المقاولات منذ شبابه، ليكشف عن أسرار تعاقداتٍ مع «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة» على مدار سنوات، وتلاعبها بالمقاولين وأموالهم في الإنفاق على المنشآت التي يريدها السيسي في زمن قصير جداً ومن دون دراسات كافية، وفي مقدمتها مشروعات الطرق والقصور الرئاسية الفخمة التي تُبنى في مدن عديدة بتوقيت متزامن. قصة بناء قصور جديدة للرئيس لم تكن جديدة للمتابعين، لكن التفاصيل التي كشفها المقاول أحدثت صدمة واضحة، بداية من التعديلات التي أُدخلت على «استراحة المعمورة»، الوجهة المفضّلة للسيسي، بقرار من زوجته بهدمها وإعادة بنائها، وصولاً إلى القصور الجديدة التي منها قصرٌ فاخرٌ في العاصمة الإدارية الجديدة، ومبانٍ أخرى للرئيس وقادة الجيش جرى تزويدها بأحدث طرق التواصل، لتجنّب أيّ احتجاجات شعبية على غرار «ثورة 25 يناير».
صحيح أن السلطات عملت على احتواء ما تسبّب فيه علي، إذ خرج السيسي بنفسه للردّ، ولا سيما بعدما تحدث المقاول عن بناء طريق ومدخل خاص لمقبرة والدة الرئيس، لكن آثار فيديوات الممثل متواصلة حتى اليوم في الشارع، على الأقلّ بالحديث المتكرر عنها، لتظلّ شرارة مكتومة ربما تأتي بردّ فعل أقوى، خاصة أن «الجنرال» الذي يحثّ المصريين على التوفير وترشيد النفقات أثبت بما لا يدع مجالاً للشك إنفاقه ببذخ على القصور والاستراحات.

تجدّد صراعات الأجهزة
على مستوى الأجهزة الأمنية، بات واضحاً أن الصراعات عادت من جديد، لكن هذه المرة من دون أن تكون «المخابرات الحربية» طرفاً فيها؛ إذ تحوّل الصراع ليكون بين وزير المخابرات العامة اللواء عباس كامل ومدير مكتبه المقدّم أحمد شعبان ومعهما نجل السيسي محمود من جهة، وبين مدير مكتب الرئيس اللواء محسن عبد النبي من جهة أخرى، خاصة بعد إخفاق كامل ومساعديه في التعامل مع أكثر من ملف. هذا الصراع امتدّ ليؤثر في إدارة الدولة، ومن ذلك أداء الوزراء وإدارة ملف الإعلام الذي أنفقت عليه الدولة مليارات الجنيهات تحت إشراف مباشر من كامل وشعبان من دون أن ينفعها هذا لدى الجمهور. واختُتمت الجولة الأولى من الصراع المذكور ببدء مرحلة تهميش وزير المخابرات، والتوجّه إلى نقل شعبان للعمل في السفارة المصرية في اليونان، وإيفاد محمود السيسي إلى روسيا بصفة ملحق عسكري، وهي القرارات التي تَسبّب تسريبها إلى الإعلام في غضبة شديدة داخل الأجهزة الشهر الماضي.

اختُتم العام بنزع فتائل يمكن أن تنفجر في وجه السيسي في أيّ وقت


أما قانونياً، فبينما مُرّر تعديل الدستور، على رغم رفض قطاعات واسعة له، توسّعت صلاحيات الرئيس في هذه السنة، وتمّ ترسيخها دستورياً، وعلى رأسها التدخل في الشأن القضائي بعدما مُنح صلاحية اختيار رؤساء الهيئات القضائية من بين أقدم سبعة أعضاء في كلّ هيئة، وهو ما أعاد الحديث عن عدم استقلالية القضاء، خاصة مع بدء تقرّب بعض المستشارين إلى السلطة عقب سنوات اعتُمد فيها عامل الأقدمية فقط كمعيار وحيد للاختيار. والأهمّ أن التعديلات وُضعت خصيصاً للرئيس، ومُنح بها استثنائياً أحقية الترشح لولاية جديدة، مع أنه طبقاً لروح هذه التعديلات رُفض استثناء النائب العام الأسبق، المستشار نبيل صادق، من التعديلات على اعتبار أنها أُقرّت أثناء توليه منصبه، وبالتالي فلا بدّ من بقائه لولاية جديدة مدّتها أربع سنوات، إلا أن السيسي رفض هذا التفسير، واعتمد اختيار المستشار حمادة الصاوي نائباً عاماً جديداً.
وبينما أجرت الدولة في الشهرين الأخيرين من هذه السنة تعديلاً وزارياً لم يطاول الحقائب السيادية، مع تغييرات في إدارة ملفات عديدة أهمها الإعلام وطريقة التعامل مع الموالين والمعارضين فيه على حدّ سواء، واعتماد آلية جديدة لحلّ أزمة «سدّ النهضة»، أفرج القضاء العسكري عن رئيس الأركان الأسبق، الفريق سامي عنان، بعد نحو 22 شهراً من الحبس، ليُختَتم العام بنزع فتائل يمكن لها أن تنفجر في وجه السيسي في أيّ وقت.

دولياً واقتصادياً
على الصعيد الدولي، صار السيسي أكثر اهتماماً بالتواصل مع قادة العالم، في محاولة لاستعادة مكانة مصر، خاصة في قضايا المنطقة، مثل سوريا وليبيا، إذ استضاف في شرم الشيخ هذه السنة «القمة العربية الأوروبية» بنسختها الأولى، كما تحدث في «مؤتمر ميونخ للأمن»، إضافة إلى ترؤسه الاتحاد الأفريقي في الرئاسة الدورية لدول القارة، لينطلق من هذا المنصب في تمثيل القارة في محافل دولية، منها قمّتا «الدول السبع الكبرى» و«العشرين». أما الملفات الأبرز خارجياً، فكانت زيادة العداء المصري - التركي على المستوى الدبلوماسي، والحرب بالوكالة في ليبيا (حيث يتواصل الدعم المصري والتنسيق مع الإمارات لتعزيز قوات المشير خليفة حفتر في مواجهة حكومة الوفاق التي تحصل على دعم قطري - تركي معلن)، إضافة إلى تعزيز السيسي تواصله مع قادة قبرص واليونان لاقتسام الغاز الموجود في أعماق المتوسط. وكان لافتاً غياب الدور المصري عن الوساطة بين الأطراف السودانية في أعقاب إطاحة عمر البشير، خاصة مع مساندة القاهرة للجيش السوداني في مواجهة التيارات المدنية التي تحرّكت ضد النظام. وفي ملف «النهضة»، ضغطت القاهرة للحصول على وساطة أميركية ومشاركة «البنك الدولي» في جلسات التفاوض التي قطعت شوطاً جيداً، وذلك قبيل اللجوء إلى التحكيم الدولي، في وقت عمّمت فيه «الخارجية» شرحاً للموقف المصري الذي قالت إنه كان متساهلاً كثيراً خلال السنوات الماضية في عملية بناء السدّ.
اقتصادياً، وعلى الرغم من ارتفاع مستوى النمو وعودة الحركة السياحية بقوة (باستثناء الرحلات الروسية إلى مطارات شرم الشيخ والغردقة)، لم يتحسّن الواقع المعيشي بدرجة تحسّن الأرقام، خاصة أن الحكومة التي حصلت على آخر دفعات قرض الـ12 مليار دولار من «صندوق النقد الدولي» رفعت أسعار المحروقات والكهرباء وجميع الخدمات خلال العام، في زيادات أسهمت في ارتفاع نسبة التضخم، مع أن الأخيرة عادت إلى الهبوط. وفيما تطرح الحكومة مزيداً من السندات الدولية للتعامل مع عجز الموازنة، أقرّت آلية تسعير دوري للمحروقات كل ثلاثة أشهر، وهي آلية يخشى كثيرون من أن تؤدي إلى قفزة في الأسعار بعدما ربطت الحكومة ثمن المحروقات للمواطنين بالسعر العالمي وتغيراته. كذلك، تواصل الحكومة تسديد المستحقات المالية للشركات الأجنبية، والمتراكمة منذ سنوات، في ظلّ مؤشرات إلى إمكانية تحقيق اكتفاء ذاتي في الغاز الطبيعي من حقول المتوسط التي جرت زيادة طاقتها الإنتاجية. أيضاً، زاد «البنك المركزي» الاحتياطي النقدي ليتجاوز 45 مليار دولار، منها أكثر من 15 ملياراً ودائع لدول الخليج دخلت بعد إطاحة مرسي، الذي جاءت وفاته المفاجئة خلال إحدى جلسات محاكمته لتطوي صفحة حكمه كلياً وتُوقف أيّ تفاوض في شأن مستقبله.



تواصل الحرب على الإرهاب... وتصفيات لمئة شخص!
خلال العام، واصلت الداخلية المصرية سياسة القتل خارج إطار القانون، والمعروفة بالتصفيات، من دون أن تكون هناك محاكمات ومحاسبات للضباط المتورطين في تلك العمليات التي تجاوز عدد ضحاياها مئة شخص، خلال مواجهات لم يسقط في غالبيتها مصاب واحد من الأمن مقابل مقتل جميع المتهمين! وتقول بعض عائلات القتلى إنهم تعرضوا لتصفية، فيما كان يُصفّى آخرون بعد القبض عليهم. وبينما تراجعت العمليات التي تستهدف رجال الجيش والشرطة في سيناء، تواصلت أخطاء الجيش في استهداف المدنيين، ما تسبب في إحدى المرات في قتل عائلة بأكملها من دون محاسبة لأحد. كذلك، لا تزال الأوضاع المعيشية في سيناء سيئة، ولم يعد أحد من المسيحيين الذين تمّ تهجيرهم، كما لم يتمّ الشروع في بناء مدينة رفح الجديدة التي وعد السيسي بتنفيذها بعد إخلاء الشريط الحدودي وإزالة المدينة القديمة بالكامل.