منذ نشر صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، في الأول من الشهر الجاري، تصريحات لوزير خارجية الحكومة المؤقتة التابعة لمعسكر شرق ليبيا، عبد الهادي الحويج، والتي قال فيها إن بلاده تأمل أن تحظى بـ«علاقات طبيعية» مع الكيان الصهيوني إذا ما تمّ حلّ القضية الفلسطينية، لا ينفكّ الحويج عن محاولة دحض «الخبر المفبرك»، تارة من خلال اتهام جماعة «الإخوان المسلمين» بتشويهه، وطوراً عبر إعادة نشر بيان أصدرته وزارته الجمعة الماضي في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، كدليل على تمسكه بالقضية ونبذه للتطبيع.

يستند المدافعون عن الحويج إلى كون الأخير يمثل تيار «السبتمبريين» (نسبة إلى انقلاب أيلول/ سبتمبر 1969) «القومي» و«العروبي» وصاحب المواقف الجذرية «الداعمة للشعب الفلسطيني والرافضة للكيان الصهيوني». لكن هؤلاء يتناسون أن الحويج برز في السنوات الأخيرة من عهد «الجماهيرية» كرئيس لمنظمة شبابية مقرّبة من سيف الإسلام، نجل معمر القذافي، والذي تورّط بدوره في علاقة سرية مع عارضة الأزياء الاسرائيلية أورلي وينرمان. ظهر الحويج، للمرة الأخيرة، في آب/ أغسطس 2011، بصفته وكيل وزير الخارجية لشؤون المغتربين والمهاجرين واللاجئين، برفقة وزير الخارجية الفيليبيني في العاصمة مانيلا، حيث دعا الفيليبينيين للعودة إلى طرابلس قبل أيام قليلة من سقوطها بأيدي القوات المناوئة للقذافي. منذ ذلك الحين، اختفى الحويج ولم يعد إلى ليبيا إلّا خلال السنوات الأخيرة، حيث أسّس «حركة المستقبل الليبية»، وبرز كمدافع عن حق القذافي الابن في الترشح للانتخابات الرئاسية التي كان من المفترض إجراؤها خلال العامين الماضيين، قبل أن يتمّ تعيينه في آذار/ مارس الماضي وزيراً للخارجية في الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني. وعلى رغم أنه سبق أن استنكر من العاصمة الجزائرية تهديدات المشير خليفة حفتر للجزائر في أيلول/ سبتمبر من العام الفائت، إلا أنه تحوّل بعد تقلّده منصبه الجديد إلى حشد الدعم الدولي لصالح حفتر في حربه على طرابلس. وعلى هذا الأساس، فسّر خصومه تصريحه كمحاولة لكسب ودّ الغرب، على أساس الفرضية القائلة إن قلب واشنطن يمرّ عبر تل أبيب.

تبرّؤ الحويج من التصريحات المنسوبة إليه لا يدحض فرضية التطبيع بشكل كامل في ليبيا


إلى جانب ذلك، جاء تصريح الحويج بعد أيام قليلة على توقيع مذكرتَي تفاهم بين رئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول، بخصوص التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية بين البلدين، علماً بأن ثمة خلافاً حادّاً بين تركيا من جهة وإسرائيل ومصر واليونان وقبرص من جهة أخرى بخصوص التنقيب عن الطاقة في شرق المتوسط (حذر «مركز دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي، منذ تموز/ يوليو الماضي، من أن تنامي دور تركيا في ليبيا قد ينعكس على الصراع في حوض البحر المتوسط). كما جاء التصريح في أعقاب صدور بيانات أميركية تطالب بإيقاف الحرب الدائرة على تخوم العاصمة الليبية منذ نيسان/ أبريل الماضي، عقب رصد مشاركة مقاتلين روس في القتال إلى جانب قوات حفتر. في هذين السياقين أيضاً، فُسّرت تصريحات الحويج، الذي تحوّل من داعِ إلى المصالحة الوطنية إلى محرّض على الحرب، حتى سُمّي في وسائل الإعلام بـ«وزير خارجية حفتر»، في إشارة إلى عدم أهمية الثني كرئيس حكومة موازية (شَبّه الحويج حالة الحكومة المؤقتة غير المعترف بها دولياً بحكومة شارل ديغول قبل تحرير العاصمة باريس) لا تحظى بـ«اعتراف دولي» مقارنةً بنظيرتها في طرابلس. مع هذا، بات معلوماً أن دولاً مثل مصر وفرنسا وروسيا والسعودية والإمارات والأردن تقدم الدعم لحفتر، على رغم أنها جميعها تعترف بـ«الوفاق» كحكومة شرعية.
ثمة حقيقة أخرى، مفادها أن القذافي آمن بتلك الطريق التي توصل إلى قلب واشنطن. ففي العام 1993، بعد فرض العقوبات الدولية على ليبيا بسبب قضية لوكربي وقضية إسقاط طائرة فرنسية في صحراء النيجر، بعث القذافي حوالى مئتين من «السياح الليبيين» (بحسب وصف وزارة السياحة الإسرائيلية) إلى القدس. زيارةٌ كانت الأولى من نوعها، الأمر الذي اعتُبر آنذاك محاولة للتطبيع. في مرحلة ما بعد غزو العراق، كثّفت «الجماهيرية» انفتاحها على الغرب؛ إذ دأب القذافي على استقبال عُتاة الصهيونية من أمثال برنارد لويس وريتشارد بيرل، إضافة إلى فرانسيس فوكوياما وآخرين، من أجل توقيع عقود استشارية معهم عن طريق شركتَي «مونيتور ديلويت» و«ماكينزي» كلّفت الملايين، بُغية تحسين صورته هو ونظامه لدى «المجتمع الدولي». كان إعلام القذافي يعتبر الانتفاضة ضده «مؤامرة صهيونية»، وكثيراً ما استشهد بجولات الصحافي برنارد-هينري ليفي، المعروف بمواقفة المناصرة للكيان الصهيوني، في المدن الليبية التي فقد سيطرته عليها كدليل إدانة في حق معارضيه، وذلك في الوقت نفسه الذي كان فيه مراسل «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، يتجول في شوارع طرابلس ويلتقط صوراً له أمام صور القذافي الكبيرة، قبل أن يظهر لاحقاً تسجيل صوتي يوصي فيه القذافي سفيره في إيطاليا بضرورة إبلاغ الإسرائيليين بأن زعزعة المنطقة ستشكل «خطراً شديداً» عليهم.
تبرّؤ الحويج من التصريحات المنسوبة إليه لا يدحض فرضية التطبيع بشكل كامل في ليبيا. ففي أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أجرت صحيفة «كوريرا ديلا سيرا» الإيطالية مقابلتين مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ثم مع حفتر، سألتهما فيهما عن إسرائيل. شدّد الأول على أمن الإسرائيليين، فيما قال الثاني إنه لا يمانع تلقي المساعدة من الكيان. إجابتان تبيّنان «مرونة» من سمّتهما «واشنطن بوست»، خطأً، بـ«الناصريين الجدد»، تجاه التطبيع. أكثر من ذلك؛ خلال الحرب الأخيرة، ظهر محللون سياسيون موالون لحفتر (كامل المرعاش وعبد الله العثامنة) على قناة «i24» الإسرائيلية، في سابقة هي الأولى من نوعها. قد لا تبدو كلّ هذه المؤشرات مهمة للبعض، وهناك من سيبرّرها بأبشع التبريرات، لكنها، مهما بدت بسيطة، تسهم مع مرور الوقت في جعل الفرضية أقرب إلى الواقع. تاريخ الكيان الصهيوني في أفريقيا هو تاريخ تأجيج الحروب الأهلية منذ خمسينيات القرن الماضي، وليس هناك أنسب لفرضية التطبيع من حرب بالوكالة تدور رحاها على البحر المتوسط.